• ×
السبت 13 يونيو 2026 | 03-01-2013

قراءة : ذكرى رحيل الروائي عبد الرحمن منيف

قراءة : ذكرى رحيل الروائي عبد الرحمن منيف
0
0
304
 ذكرى رحيل الروائي عبد الرحمن منيف.

للكاتب : سعيد بوعيطة
-المغرب-


على الرغم من تساقط تلك القامات العالية التي أنارت ليل وحشتنا. ونثرت عطرها ومحبتها في أرجاء أرواحنا فإنها بقيت خالدة في الروح و الوجدان. لأنها عانقت حرقة الحياة و احترقت لتنير لنا الطريق. رحلت مخلفة وراءها مرارة الذكرى وقسوة الفراغ
إن الحديث عن الروائي الراحل عبد الرحمن منيف هذا المثقف الديمقراطي بامتياز. المفكر السياسي و الروائي . حديث عن عالم شاسع . شديد الغنى و التنوع .إن هذه الصفة بالنسبة لمنيف تتأتى من مصادر ومجالات حياتية وإبداعية عدة. فلا تنحصر في مجال واحد. بل تكاد تشمل مختلف مجالات الإبداع و فضاءاته . و الجوانب العديدة من أماكن العيش و العمل( وظيفيا . سياسيا و مجابهة.).


*مواطن العالم.

إن تنقلات عبد الرحمن منيف في أنحاء الوطن العربي و منفاه البارسي . لو تكن تقتصر على مواصلة الدراسة و العيش. بل كان يخوض في عمق الحياة الاجتماعية . الثقافية والفكرية و السياسية للبلد حيث يعيش. يساهم في التحولات أو يكون شاهدا رائيا. فيما يتفاعل إبداعيا معها في الفكر و في الرواية على السواء. في بعض البلدان انشغل منيف بالنشاط الحزبي و في أخرى شغل هذه الوظيفة أو تلك. خاصة في مجاله التخصصي( اقتصاديات النفط). وفي كل هذه الحالات كان مخزونه الحياتي يتنامى ويتنوع. وكان يتشرب بعينه ووعيه وحساسيته اصطخاب الحياة والصراعات السياسية والاجتماعية في مختلف البلدان العربية. ويتعرف على أدق تفاصيل الحياة التي تهب هذا المجتمع أو ذاك خصوصيته و نكهته و طابعه المحلي. الذي يشكل جزءا من الحياة العربية العامة. كل هذا قبل أن يتخذ منيف خياره الحاسم و الأهم في حياته إبداعا وسياسية كذلك. وهو اقتحام عالم الكتابة الروائية. وهو في هذا الجانب الإنساني منه بخاصة . مضافة إليه الجوانب الأخرى، يشكل المادة الخصبة لرواياته الحية. روايات اخترقت سكينة الروح . الإنسان في هذه الروايات (الإبداع) فرد منعزل. بعيد عن مجتمعه. لكنه موجود فيه. ويبحث عن حريته في هذا العالم الذي يقهر الحرية الفردية
ويصادرها.


*الجمرة المتقدة في الروح و الوجدان.


حين ترك منيف العمل السياسي .لم يترك أبدا اهتماماته السياسية في الموقف المعلن (دفاعا عن الحرية و الديمقراطية). وفي أعماله الروائية التي هي إبداعية وفنية وسياسية بامتياز .فمخزونه الحياتي أساسا والثقافي والسياسي كذلك. سمح له بالخروج من دائرة الذات إلى الآفاق الرحبة والهموم العامة. وانفتحت أمامه- روائيا- فضاءات وأمكنة.حتى لتكاد تشمل العالم العربي أو تكاد. فمنذ روايته- الأشجار واغتيال مرزوق- التي تسجل بدايات دخوله الروائي إلى تصوير القمع العربي خارج السجن وداخله. والاضطهاد والغربة بوجهيهما المادي والنفسي من خلال الشخصية المحورية إلياس نخلة وشخصية عبد السلام منصور. تقدم هذه الرواية تلك الفاجعة القائمة في زاوية من زوايا العالم. إلى رواية -شرق المتوسط- التي تدخلنا عالم الظلمات والتعذيب ( السجن السياسي العربي). إنها عبارة عن تنبيه إلى ظاهرة وحجم القمع والاضطهاد. و المعاناة العنيفة التي قدمها لنا منيف من خلال الشخصية المحورية رجب اسماعيل. مثقف دخل السجن من أجل فكرة . وكان صموده وسقوطه معا عظيما. بعظمة الفكرة التي شهد لها واستشهد من أجلها. وصولا إلى ملحمته (مدن الملح ) ( التيه- الأخدود تقاسيم الليل و النهار- المنبث- بادية الظلمات).التي تدخل بنا عالم التحولات و الاقتلاع إثر اكتشاف النفط في الصحراء (احتشاد الفضاء الصحراي هذا بالآلات العملاقة والبواخر وأماكن السكن الجديدة وأجهزة القمع ووسائل التجسس.).وبدايات القمع وبناء أول سجن في الصحراء الشاسعة. هذه التحولات لا تقتصر على الفضاء المحوري وادي العيون-بل تتجاوزه لتنتشر على امتداد الصحراء. وعبر المدن الجديدة و الهشة والوقت نفسه (موران حران-الاخ..)

وتصل مفاعيلها التدميرية ومغرياتها إلى مختلف المدن العربية العريقة. مرورا برواياته المتعددة الفضاءات و الموضوعات (قصة حب مجوسية- حين تركنا الجسر- النهايات- سباق المسافات الطويلة- عالم بلا خرائط ( بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا)- الآن...هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى- الخ... هذه الروايات تقوم بتشريح آليات القمع في المجتمع العربي عامة. كما تمثل صرخة مدوية وشهادة قاسية عن واقع حقوق الانسان بهذا الوطن. عندما تحكي لما وقع لشخصيتي المعتقلين عادل الخالدي وطالع العريفي.اللذين التقيا بمستشفى ببراغ. وصولا إلى ثلاثية أرض السواد- حيث يرجع السارد إلى فترات عراق القرن التاسع عشر( مدن العراق أراضيه- أنهاره-وناسه و الصراعات الدامية حول السلطة. و القمع و تصاعد الآمال و انهيارها.

يرى عبد الرحمن منيف بان رواياته عبارة عن نهر يفيض نوعا و كما. ولا يحمل في فيضانه سوى الطمي والخصب و البشارة بحياة جديدة. وفي هذا الجانب تتقاطع روايات منيف مع أعمال روائية أخرى. لقد كتب الروائي صنع الله إبراهيم تلك الرائحة- وهي عبارة عن شهادة عن السجون العربية وحال المثقف العربي الخاضع للنظام المخابراتي. والحامل لسجنه بداخله . كما كتب عبد الرحمن مجيد الربيعي رواية الوشم- التي لا تخلو من تصوير الاضطهاد السياسي وتشرد المناضلين . لقد آثر منيف القبض على الجمرة المتقدة في الروح والوجدان العربيين. فبقي كذلك ملتزما بالفكرة و الكلمة إلى أن غادرنا في الرابع والعشرين من يناير 2004. لكن هذه الجمرة لم تنطفىء. إن الهاجس الأول و الأساسي لدى منيف هو الحرية والإبداع في ظلها . ومقاومة كل أشكال القمع التي تواجه المثقف وإبداعه. هي القضية التي اعتبرها منيف في كتاباته ومواقفه وفي مجمل نشاطاته القضية الأولى. ويشاركه فيها جميع المثقفين في الوطن العربي.