منتديات السلطنة الأدبية

منتديات السلطنة الأدبية (http://www.alsultanah.com/vb/index.php)
-   القصة القصيرة (http://www.alsultanah.com/vb/forumdisplay.php?f=13)
-   -   صرخة الرفض (http://www.alsultanah.com/vb/showthread.php?t=15903)

مختار أحمد سعيدي 22-02-2013 06:45 PM

صرخة الرفض
 
صرخة الرفض

كنت روحا في فلك البراءة، أجوب أقطار كون لا حد له، كله جمال، كله نقاء، كله صفاء، أتنفس الفضائل من فطرتها الطاهرة، أضاهي العالم الملائكي، أشكر موقعي أينما كنت، وليس لي مستقر ولا مستودع، يدفعني وجودي لأن أكون يوما من الأيام أنا، تتجاذبني أمنيات الفضيلة شوقا، وخلف القصد في الغفلة الخطيئة تغريني، ما كنت أميز بينهما إلا في كوني أنني سأكون، أتيت من بعيد، أقطع كل مسافات الظنون للوصول، لأكون ذلك اليقين الذي يصنع الفرحة حينا، وحينا يصنع الشقاء، ويتنكر لي الشرع والوضع، وأخيرا أظن أنني اهتديت إلى ضالتي وساقني قدر من حيث لا أدري، أطوف كفراشة حول امرأة كشجرة صهرتها السنين، تجاوزت من العمر الثلاثين، بيضاء تسر الناظرين. فاتنة كانت، تطاردها النظرات، فرس جامحة تسعى إلى موردها، جاءت مساء ذلك اليوم في الموعد كعادتها، دخلت، ابتسم لها النادل، جلست في آخر الصالون في آخر طاولة، تنظر إلى الباب، تنتظر وصول الرجل الذي تخلف، كأنه شعر بحمل أثقل ممشاه، لا تزال تجتر الخبر والشك يساورها، بل تتمنى أن يكون مجرد أضغاث أحلام، لا تذكر أنها نسيت يوما تعاطي موانعها. وفي آخر لحظة تراجعت وقررت أن تتكتم على الأمر إلى حين، وجاء ذلك الرجل الذي كانت تنتظره، كان أنيقا وسيما جدا، أطيب من أن يكون صادقا كما يقولون عنه، وأجمل من أن يكون وفيا، لا يتكلم كثيرا، روض ثغره على التعبير بما يريد، يتميز ببرودة أعصاب حد انهيار خصومه، يمزق بمخالب الصمت مكامن التروي، ومن نار الليل يصنع رماد الصباحات، نظراته أوراق بيضاء، حركاته لا تعرف التلقائية، بلغ من الرشد ما جعله يتنزه عن العبثية، لكل شيء في سلوكه مقدار، ضابط لموازين التواصل، بقدر الأخذ بقدر العطاء، بهذه الجدية استطاع أن يكبلها، تدين له بالولاء التام، تكتفي بأنصاف تبسمه لما تضحك، جرأته في فعله، لا يتردد، ولا يندم، لا يعاتب، ردة فعله زخات وشرارات متداولة...
كانت هي جميلة جدا، تتحدى بقوة أنوثتها، وسطوة ضعفها، وتسلط رقتها أي مراس، تطاوع حبل الوصل به، تلين لشدته وتتصلب، شجرة سرو تقاوم كل فصوله، تنحني كالخادمة ولا تنكسر، في نظرتها شيء من مخذر الساحرات، وبصيرة العرافات، تقرأ في ظاهر الممارسات خبايا الذوات، كلما تعرفه أكثر تتعبه أكثر، لاعبة شطرنج تحول بينه وبين مقاصده برفق الساذجة، لا تظهر له مهاراتها في ترويض مشاعره، يرغم نفسه عن الإستغناء عنها، وهي مكرهة كجارية، تعيده إليها برغبة المترفعة وتتركه يمارس جموح رجولته في حلقاتها المغلقة، هي تعرف أنه مقيد بها، وهو يعرف أنها مقيدة به، ولكن من يصل إلى آخر محطتهما منتصرا؟ هذا هو الرقم المجهول في هذه المعادلة التي لا تكاد تنتهي...
جلس وأشار للنادل، يتفحص وجهها، يستنطق ثغرها، ينتظرها أن تنطق، لف ساعده بساعده، وتراجع إلى الوراء لاحتواء صورتها كاملة، وضعت ابتسامة التكلف على محياها ممزوجة بمشاعر تزعم انهزام الكيد أمام المكر، وأخفت سحابة القلق وراء بسمة أخرى، حذر كان هو، لا يزال صامتا، يتابع خطاب جسدها برفق مصطنع أدركته هي بسهولة، صمت اعتادت عليه. إنحنى على الطاولة، ومد يده إلى يدها، أمسك بها، كانت أسخن، ألطف، ألين، جذبها فطاوعته وقال: ماذا قال الطبيب؟
قالت: إرهاق نفسي .. و تعب سؤال ثقيل..
...يتبع....

سالم الوشاحي 22-02-2013 07:28 PM

أخي العزيز مختار سعيدي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عوداً احمد إن شاء الله .....

نص جميل يدور بجمال اللغة والحبك

ويسرد قصة لم تكتمل ,.....

تحياتي لك بعمق

عبدالله الراسبي 22-02-2013 08:40 PM


اخي العزيز مختار سعيدي تسلم على هذا النص الجميل والرائع
وسرد رائع وتقبل تحياتي

نادية السعدي 22-02-2013 11:43 PM

نص جميل اعجبني اسلوبك الراقي في صياغة القصة وحديث الذات

كل التقدير
تقبل مروري

رحيق الكلمات 23-02-2013 12:06 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مختار سعيدي (المشاركة 177868)
صرخة الرفض

كنت روحا في فلك البراءة، أجوب أقطار كون لا حد له، كله جمال، كله نقاء، كله صفاء، أتنفس الفضائل من فطرتها الطاهرة، أضاهي العالم الملائكي، أشكر موقعي أينما كنت، وليس لي مستقر ولا مستودع، يدفعني وجودي لأن أكون يوما من الأيام أنا، تتجاذبني أمنيات الفضيلة شوقا، وخلف القصد في الغفلة الخطيئة تغريني، ما كنت أميز بينهما إلا في كوني أنني سأكون، أتيت من بعيد، أقطع كل مسافات الظنون للوصول، لأكون ذلك اليقين الذي يصنع الفرحة حينا، وحينا يصنع الشقاء، ويتنكر لي الشرع والوضع، وأخيرا أظن أنني اهتديت إلى ضالتي وساقني قدر من حيث لا أدري، أطوف كفراشة حول امرأة كشجرة صهرتها السنين، تجاوزت من العمر الثلاثين، بيضاء تسر الناظرين. فاتنة كانت، تطاردها النظرات، فرس جامحة تسعى إلى موردها، جاءت مساء ذلك اليوم في الموعد كعادتها، دخلت، ابتسم لها النادل، جلست في آخر الصالون في آخر طاولة، تنظر إلى الباب، تنتظر وصول الرجل الذي تخلف، كأنه شعر بحمل أثقل ممشاه، لا تزال تجتر الخبر والشك يساورها، بل تتمنى أن يكون مجرد أضغاث أحلام، لا تذكر أنها نسيت يوما تعاطي موانعها. وفي آخر لحظة تراجعت وقررت أن تتكتم على الأمر إلى حين، وجاء ذلك الرجل الذي كانت تنتظره، كان أنيقا وسيما جدا، أطيب من أن يكون صادقا كما يقولون عنه، وأجمل من أن يكون وفيا، لا يتكلم كثيرا، روض ثغره على التعبير بما يريد، يتميز ببرودة أعصاب حد انهيار خصومه، يمزق بمخالب الصمت مكامن التروي، ومن نار الليل يصنع رماد الصباحات، نظراته أوراق بيضاء، حركاته لا تعرف التلقائية، بلغ من الرشد ما جعله يتنزه عن العبثية، لكل شيء في سلوكه مقدار، ضابط لموازين التواصل، بقدر الأخذ بقدر العطاء، بهذه الجدية استطاع أن يكبلها، تدين له بالولاء التام، تكتفي بأنصاف تبسمه لما تضحك، جرأته في فعله، لا يتردد، ولا يندم، لا يعاتب، ردة فعله زخات وشرارات متداولة...
كانت هي جميلة جدا، تتحدى بقوة أنوثتها، وسطوة ضعفها، وتسلط رقتها أي مراس، تطاوع حبل الوصل به، تلين لشدته وتتصلب، شجرة سرو تقاوم كل فصوله، تنحني كالخادمة ولا تنكسر، في نظرتها شيء من مخذر الساحرات، وبصيرة العرافات، تقرأ في ظاهر الممارسات خبايا الذوات، كلما تعرفه أكثر تتعبه أكثر، لاعبة شطرنج تحول بينه وبين مقاصده برفق الساذجة، لا تظهر له مهاراتها في ترويض مشاعره، يرغم نفسه عن الإستغناء عنها، وهي مكرهة كجارية، تعيده إليها برغبة المترفعة وتتركه يمارس جموح رجولته في حلقاتها المغلقة، هي تعرف أنه مقيد بها، وهو يعرف أنها مقيدة به، ولكن من يصل إلى آخر محطتهما منتصرا؟ هذا هو الرقم المجهول في هذه المعادلة التي لا تكاد تنتهي...
جلس وأشار للنادل، يتفحص وجهها، يستنطق ثغرها، ينتظرها أن تنطق، لف ساعده بساعده، وتراجع إلى الوراء لاحتواء صورتها كاملة، وضعت ابتسامة التكلف على محياها ممزوجة بمشاعر تزعم انهزام الكيد أمام المكر، وأخفت سحابة القلق وراء بسمة أخرى، حذر كان هو، لا يزال صامتا، يتابع خطاب جسدها برفق مصطنع أدركته هي بسهولة، صمت اعتادت عليه. إنحنى على الطاولة، ومد يده إلى يدها، أمسك بها، كانت أسخن، ألطف، ألين، جذبها فطاوعته وقال: ماذا قال الطبيب؟
قالت: إرهاق نفسي .. و تعب سؤال ثقيل..
...يتبع....

اهلا بك أخي مختار السعيدي
عودا جميلا الى شواطئ القصة
فلقد اشتاقت الشواطئ لخطوات قلمك الجميل
( صرخة الرفض) عنوان ناطق بمحتوى أكبر من العنوان ذاته
انسيابية جميلة لفكرة الصراع الدائم بين حواء وآدم
قصة اجتماعية رائعة بحبكة ننتظر نهايتها بحماس جميل
لي عودة هنا
تحيتي

مختار أحمد سعيدي 24-02-2013 01:26 AM

ابتسمت أنا لأنني اكتشفت ما كان يشغلني من حيرة وتعجب، إنه السؤال الذي يحتمل جوابه الصدق والكذب وأشياء أخرى، ما كنت أعرفها...
وجاء النادل يحمل طبقا عليه كوبين من نفس اللون تقريبا، البارد لها والساخن له، أشعل لفافة مالبورو واحتفظ بالثقاب في يده، كان الدخان يخرج من فيه أسود، يدفعه ببطء، يتشكل ثم ينقشع تاركا وراءه للسؤال حيرته. ليتني أستطيع أن أتحكم فيه، هكذا قالت في سريرتها، تفطن لها، شعرت بذلك، فقالت: هل توحي إليك هذه الأشكال بشيء؟
قال: فلسفة الحياة، مثل سؤالك الثقيل...
ابتسم، رشف ومزج بين لذة الشراب واستعداده لتلقي السؤال... كنت أرفرف حولها، فوقفت فوق رأسها، أنتظر أنا كذلك سؤالها بشغف، إلتزمت هي الصمت، تحاول إثارة فضوله إلى أقصى درجة، تحافظ على استمرار بسمتها بكل ما أوتيت من براعة التمثيل، لا يزال احتمال انتصار الخيبة يتغلب في اعتقادها على الأمل، بل أكثر من ذلك، ربما سيكون الموجة التي تكسر حبيبات الماء لتعود زبدا...
قال: أعطاك مقويات وفيتامينات ومنشطات... كعادته
قالت: لا أظنها تنفعني في هذه المرة...
أطرق ينظر إلى بخار شرابه، سحبت يدها من يده، أخذت الكأس، كان الشراب باردا، شعرت به يرد رغبة السؤال الذي ملأ صدرها، وضعت الكأس فارغا، حملت سفطها و وقفت.
قالت: هيا بنا، نواصل حديثنا في الطريق، لقد تأخرت اليوم كثيرا.
ترك نصف شرابه وقام متثاقلا، كان جو المساء لطيفا جدا، وضع نظاراته السوداء ، نظر إلى نفسه في زجاج الواجهة، أنيقا جدا كان، كانت هي أجمل، عانقت عضده فزاد ذلك في روعة منظره وأهبته حد الغبطة والحسد، كأنه الملك بخطاه الواثقة، تشد عضده جارية لينة الطرف قاصرته، تحادي السادية في إخلاصها له، حتى لا يكاد يرى الناس إلا هو، تنظر إليه وهو ينظر إلى أفق الشارع الطويل، إلى زرقة السماء الجميلة، إلى جماليات الهندسة المعمارية وفنون الزخرفة على الأبواب والواجهات، كأنه خريج مدرسة الفنون الجميلة.
قال: كم هو الجو منعش في هذا المساء، كأني لأول مرة أمر من هنا.
قالت: لهذا فضلت الخروج
لم يبال بها، وسقطت كلماتها دون أن ترد الصدى، أحدثت دوائر في طويتها، كان حينها يضغط على ساعدها بعضده، لا يريدها أن تتكلم حتى لا تفسد عليه متعته... سحبت ذراعها وتوقفت، وقف ينظر إليها بعيون وسنى وابتسامة صفراء فارغة...
قالت: إقتربنا كثيرا، يجب أن نفترق، لا أستطيع أن أذهب معك الليلة كما وعدتك، عندنا ضيوف، إبن خالتي عاد من المهجر وهو ضيفنا الليلة، تجب علي خدمته...
طبع على جبينها قبلة باستحياء، وانصرف يحمل ابتسامته على ثغره، لم يلتفت، رمت ثلاث خطوات أو أربع، وقفت قليلا قبل أن تلتفت وتراه يمشي على إيقاع سمفونية الأبطال، تنهدت، وواصلت طريقها تكظم سؤالا تعذرت صياغته إلى حين...
لا زلت أنا قابعا فوق رأسها... دخلت إلى البيت، ذهبت إلى غرفتها، غيرت ملابسها وعادت إلى الصالون حيث كان الجميع هنا، يتجاذبون أطراف الأحاديث، نظرت إليها الجدة، وقبل أن تستعيد كليا طبيعتها قالت: خير ما وراءك يا بنيتي؟
قالت: هل بدى علي شيء؟
قالت الجدة: الأم يا بنيتي تنظر إلى ابنتها بعيون الكبد، فاعذري تطفلي أحيانا
قالت: أبدا يا جدتي، نعب قال الطبيب وإرهاق، وهو زائل إن شاء الله.
قالت الجدة: أتمنى لك برنوس الستر، يقاسمك هم الطموح قبل فوات الأوان.
قلت في نفسي ماذا تقصد الجدة ببرنوس الستر، وما دخله بهم الطموح؟ ...هذا كلام لا أفهمه... آه، نسيت أنني لا زلت لم أكن بعد.
أشياء كثيرة كانت تحصل أمامي لا أجد لها تفسيرا، ولا أفهمها، غريبة علي... بحثت عن ابن الخالة لم أجده، أراهم في الخفاء في صفات وممارسات غير التي هم فيها في الظاهر، أقول في نفسي ربما هي الحياة هكذا...
الجميع ملتزم هنا، تنافس كبير على التميز بسمو الفضائل، والتزين بالحكمة والإعتدال، والمثالية المترفعة عن الجهالة والبداءة، ملتقى احتكاك الثقافات والمعارف، وقياس سلامة الذوق، لا يخرج الحديث عن قضايا الوضع الراهن وانتقادات لسلوكيات المجتمع وسلبيات الطبقات والمشاهير، يرتقي المجلس بهم حيث تتكامل وجهات النظر وتتلاقح الأفكار، عالم ملائكي فرض نوعا من التواضع والإحترام المتبادل لا نظير له، لا يختلف كثيرا عن عالم الأرواح قبل أن تسكن الأجساد ، أسعد كثيرا لما أحضر هذه الجلسات الحميمية الراقية...
تناولوا العشاء، وانصرفوا جميعا ، كل إلى غرفته، وخلدت هي إلى الراحة في خلوتها، تمددت على السرير، أراها تتخبط كأنها حية أكلت سمها، وفجأة أسرعت إلى دورة المياه، تبعتها، تقيأت وعادت، لم تكترث، فقط بدى على وجهها شيء لم أفهمه، جلست القرفصاء فوق سريرها، في الظلام تشد رأسها بيديها، شعرت بشفقة عليها حد الإنهيار، كأنني أنا المسؤول عن هذا الذي تعاني منه، ليتني عرفت ما يدور بداخلها، غريب أمرهم ، عندما يختلي البشر يرجع كل واحد إلى نفسه، إلى حقيقته، ليعطيها شيء من الحرية، يمكن أن ينتحر من أجلها في الحلم أو في اليقظة وحيدا ومع غيره يبيعها بأبخس ثمن، وما بين الحقيقة والخيال في العقل إلا برزخ الإرادة. استوت على سريرها، عانقت وسادتها، وانهارت تبكي في صمت ، تبتلع الشهقات في كمد، ترى ما الذي يبكيها وهي التي كانت عند العشاء تضحك ملأ فاها!!.. ليتني أستطيع أن أصبر أغوارها. جسدك أيتها المرأة سبب شقائك، ليتني أستطيع أن أساعدك للعودة إلى ما كنت عليه من روح دون جسد، ليتني أستطيع أن أخلصك من هذا المستبد، من هذا السجن، من هذا الجلاد، تحاصرك جنوده من كل جهة... يا ليتني...
وطال الليل رغم قصره في صنع المبهم ، ورسم الضياع بكل ألوان الظلام، وضاع من تعقلها الطريق. يقال أن الصواب يمهد له اللسان قبل خروج مطيته، فإذا خرجت يصعب ترويضها وتفترسك، أراها تسترجع تلك اللحظات التي يفقد العقل سيطرته على الذات، و تستحوذ الرغبة على النفس فتعزلها لتستبد بها وتنزلها إلى اللاوعي الضال، إلى مكمن الندم لتوقظه فيفترس ما خلفته الخطيئة لما تستفحل في البشر. هكذا مرت ليلتها، مناجاة ومنولوج في فراغ لا يرحم .
في الصباح قامت كأنها خلقت من جديد، وكأن شيئا لم يكن، كان النهار قد رفع ستائر الليل عن الكون، تنفست أزهار الحديقة، وغمر وهيجها غرفتها، تحمله نسمات مارس اللطيفة إلى عمق الذات . جلست على حافة السرير، تثاءبت، نظرت إلى ساقيها ورجليها الصغيرتين، كانت الساعة متوقفة ، تنعلت ودخلت إلى الحمام، كادت تنام في دفء الماء الذي غمر جسدها، يرد صدى نبضاته إلى داخلها كأنها ضربات على صناجة لإثارة الأعصاب.

....يتبع....

سالم الوشاحي 24-02-2013 06:26 AM

الأستاذ مختار سعيدي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ولازلنا نتابع جمال السرد وروعة

الطرح ....

ونحن بين جمال اللغة والحبك

لك تحياتي وشكري العميق

أم أفنان الرطيبيه 25-02-2013 01:14 PM

اعجبني جدا إسلوبك في النص
متابعه للنهايه...

أم أفنان الرطيبيه 25-02-2013 01:15 PM

اعجبني جدا إسلوبك في النص
متابعه للنهايه...

مختار أحمد سعيدي 27-02-2013 12:16 AM

تتلاشى شدتها رويدا رويدا حتى عادت إلى وتيرتها العادية، وتركت فسحة لتنهيدة خرجت من العمق... وبعد، هل هو الطوفان؟ لست الأولى، ولن أكون الأخيرة، والحل موجود، والوقت لا يزال في صالحي، سأتخلص منه ولن يعلم أحد، فقط يجب أن أصل بأمان إلى هذه القناعة حتى لا يسجنني ضميري، وأتحول من ضحية إلى مجرمة تعيش كابوس فعلتها كل الحياة...
أمام المرآة، تحاكي الحظ، تقاضيه، وتحتفظ بالحكم، يبتسم لها بسخرية العنيد، هو كذلك يمارس عليها القهر بالصمت، والتحدي بالتقليد، إنه صورة طبق الأصل له، وصمت منه بدأ يتشكل في ذاتها، يرغمها على التكتم، وممارسة التروي في صمت، الصمت يحاصرها من كل جهة...
في غرفتها، سرير مبعثر، ودولاب رتبت فيه ملابسها بذوق خاص ، على الجدار أمامها لوحة لعصفور في قفص، مجلات وكتاب فوق طاولة فوقها مصباح وكوب... تهيأت للخروج، الساعة الآن السابعة صباحا، مرت على المطبخ، تناولت قطعت من كعكة كانت في طبق على الطاولة، زادت عليها جرعة حليب، وخرجت على غير عادتها باكرا... بدأ الشارع يتحرك باستحياء،
يحدث للإنسان أحيانا أن يمر بمكان أو بشارع عشرات المرات ولا ينتبه لكثير من الأشياء، هكذا هي اليوم، كأنها تمر من هنا لأول مرة، كثيرة هي الأشياء التي تغيرت، محلات جديدة، واجهات أخرى، ديكور آخر، لوحات ومساحات إشهار، حتى أرضية الأرصفة أعيد تبليطها، عجيب! كل شيء تغير، كأنها كانت في غيبوبة، كان همها الوحيد رؤيته قبل دخولها إلى العمل، وفي المساء تحجب عنها نشوة اللقاء كل الأشياء فتعود إلى البيت ولا هم لها سواه . أما اليوم، فإنها تتمنى أن لا ينتهي هذا الشارع، ويمتد مع الزمن، ويبتعد مكان العمل، ويمنحها من الوقت ما يجعلها تسترجع كل قواها لصياغة السؤال الللغز، سؤال الحيرة الذي يغذي الأرق، تحاول ترتيب أوراق الحدث في نفسها بطريقة تعطي للتلقائية حقها في الوصل ،والتروي مقامه في الحديث، لعلها تتمكن من رسم خريطة للخروج معه من هذا المأزق بأقل ما يفرضه الواقع المر... إنها في السنة الثالثة بعد قراءة الفاتحة سرا، تنتظر ترسيم الزواج وإعلانه في حفل زفاف يحقق لها الحلم الجميل الذي وعدها به، يحفظ ماء وجهها، وتخرج إلى نور الحياة من بابها الواسع، تريد أن تفجر السؤال لتوقظ أملها من هذه الغيبوبة التي دخلت فيها من حيث لا تدري... هي التي كافحت كثيرا لأن تكون صورة غير صورة أمها، رغم ما تتميز به العائلة من شكليات المحافظة، وتقديس الروابط الأسرية التي أريد لها أن تؤسس لاندماج متحفظ خشية الذوبان في مجتمع لا يثمن النسب، ولا في ميثاقه للأصول بنود. تمنت أن تكون سيدة من ثمين الإعتدال، وجمال السوية في كل شيء، تفرض وجودها دون أن تكسر السياج مثل أمها ، لأن السياج كما يقول المثل يوضع للعاقلين، إعتنت كثيرا بمظهرها، أمام بنات الخالات وبنات العمات، حضورها يربك الجميع، حتى الجارات ينظرن إليها بعين الحسد...
إنها الآن أمام المحكمة، لا المكان ولا الزمن طاوعها للوصول إلى ما تريد ، ليست الأشياء الجميلة هي وحدها التي تشغلنا، بل الهم الذي يبكينا هو نفسه الذي يضحكنا، كان هو واقفا أمام المقهى المقابل، يد في الجيب والأخرى بين أصبعيها سيجارة، في شموخ هامة لا تنحني وخد مائل مصعر، مجسد رجل عليه بذلة في واجهة للعرض، نزع نظاراته، فوجدها أمامه، قررت أن تفرغ له ما بجعبتها.
- طاب صباحك
- طاب صباحك
أخذها من يدها وقال: سأتغيب بعض الوقت، أنا ذاهب في مهمة لا أعرف كم ستدوم.
فقالت: أنا، أنا حامل... ماذا أفعل؟ صدقني كانت هفوة، لا أعرف كيف حصلت.. كانت خطأ..
صعدت على ثغره تلك الإبتسامة المبهمة كعادته، ضغط على يدها، تراجع قليلا إلى الوراء، أسدل يديه وانصرف...

مختار أحمد سعيدي 27-02-2013 12:19 AM

أيها الأحبة مرحبا بكم
لكم كل الشكر على الحضور و المتابعة و الثناء الحسن.
أتمنى فقط أن يسمو الحدث إلى معالي ذائقتكم
تقبلوا تحياتي و تقديري

مختار أحمد سعيدي 01-03-2013 12:38 PM

ما معنى حامل؟!!، هذه ظاهرة لا تعرفها الأرواح مثلي، وزادت في قائمة حيرتي سؤال،
قلت في نفسي لعله مرض خطير جدا، أو حالة نفسية تمر بها المرأة في مرحلة من مراحل عمرها مثل المراهقة مثلا... لا، لا، لا، إبتسامة الرجل توحي أن الأمر أهون، يمكن أن يكون مجرد شعور ينتاب المرأة ساعة الفراق وسيزول...
أخذت ردة فعله الباردة والتي كانت تنتظرها بمجامع فكرها، عادت أدراجها كأنها ورقة تقذفها نسمة الصباح. أمام باب المحكمة، البواب رجل بشنب ثائر في العقد الخامس، يرتدي بذلته الرسمية، تذكرها دائما بتلك الكتب الصفراء التي لا يزال جدها مدمنا على قراءتها وهو يحمل تلك النظارات الدائرية الشكل، يشبه فيها عيني الكوبرا، فابتسمت من حيث لا تدري، إنها تعرفه على حقيقته، مشعوذ يدعي التحكم في الجن والإنس، لا يزال إماما في القرية المجاورة، يدين له الجميع بالولاء والطاعة، جاءتها فكرة فحذفتها وواصلت إبتسامتها، واعتقدها البواب تحية له، فردها بزهو الفائز بجائزة نوبل، فإذا كانت إبتسامته هو للغلبة والمقهورين والمغلوبين على أمرهم من ذهب، فكيف بابتسامة كاتبة ضبط جميلة له في قصر العدالة، فتنبهت لذلك، استعادت جديتها، فعاد مدحورا إلى منزلته يبتلع غصة تهوره...
وراء مكتبها كانت شيئا آخر، كانت وحشا يمزق بمخالبه كل قربانا تقدمه له عدالة البشر، كنت أرفرف حولها، ما صدقت أنها هي تلك المرأة الضائعة في متاهات البحث عن مخرج أمام أبواب كلها موصدة، وأفواه مفتوحة على كل التأويلات، وقفت فوق رأسها وهي تتصفح تلك الأوراق البيضاء التي سودها حبر المظالم وعصارات الحقوق المهضومة، فظيعة كانت آثار الأصابع الرهيبة التي تحرك دواليب هذه الأحكام الموجعة، مدنسة بالرشاوي والمحسوبية، الضعيف دائما هو الذي يدفع ثمن كل شيء، حروف من دم مهدور بغير حق، ودمع مغرر به، وعرق مغتصب، دخلت معها في فلك يدور خارج المجرة الحقيقية، آلمتني تلك الكلمات وهي تخرج تحت وطأة قلمها المستبد، تمارس كتابتها بغل وبنفس الصمت الذي ابتليت به، أرى في ضغطها على الورق اصرارا وعنادا يتحدى كل القيم ويهتك حرمة العقل والنقل، أقلام كالجبال وأحكام أحد من السيوف المهندة، وفهمت أخيرا لماذا كل الوجوه في هذا المكان مكفهرة، سوداء، رسم عليها سوط الجور والغبن تجاعيده، هنا تغتال البسمات وتنتهك الأعراض وتغتصب الحقوق، كل هذا باسم شيء يسميه البشر القانون، الشيء الوحيد الذي لم أفهمه لماذا يرتدي هؤلاء الجلادون اللباس الأسود؟ ...
نظرت إلى ساعتها، فتحت سفطها، تفقدت تسريحتها، مرت على وجهها ببعض اللمسات، لحظات بعدها رن الجرس، ردت بلطف، إنه القاضي ، تعطرت وذهبت، كان الرواق خاليا إنه منتصف النهار، أسرعت، دخلت، أغلقت الباب وراءها بإحكام، كان القاضي في سن أبيها...
وزاد استغرابي وضاقت على غربتي، أصبحت لا أعرفها، حرباء بشرية أو حية، عادت إلى مكتبها وواصلت عملها بنفس الوتيرة وبنفس الطريقة. توقفت عن الإستقبال لأنه كان في عينيها دمع... وقفت فوق المكتبة أنظر إليها وهي ترتب ملفاتها استعدادا للخروج... لقد انتهى الدوام...
...يتبع....

مختار أحمد سعيدي 01-03-2013 12:57 PM

أشياء فظيعة لا نراها في عالمنا، وحيرني هذا الجسد الذي أصبح يسيطر كليا على الروح، أين سر قوته؟ وعدنا إلى البيت، وبخروجها من المحكمة عادت إلى طبيعتها، تلك المرأة الجادة، المحترمة، الشريفة، الأنيقة، لا يجرأ أي أحد أن يتجاوز حده معها، هي نفسها امرأة الأمس، دخلت إلى البيت، كان أبوها مستلقيا على أريكته يقرأ الجريدة، ينتظر فنجان شربة المساء التي تعود عليها، أمرد الخدين، ساخط على الوضع، يساعده شنب هتلرعندما يجمع شفتيه ليبدي اشمئزازه وغضبه وهو يقرأ الأحداث المحلية، حديدي الوجه نحيف، بدأ الشيب يغزو شعره، أبيض كأنه ورقة أرمستروج، بدأ يمخره السكري، كان في شبابه لاعب كرة القدم، قدم الكثير لمدينته، رغم بساطة وظيفته كممرض إلا أنه يعدونه من الأعيان، يحبه الجميع في كل مكان، يعزمونه في كل المناسبات الرياضية والثقافية، وفي البيت هو الآمر والناهي، تراه الرجل المحترم بامتياز، يحسب له حسابه، لا يعرف المزاح... قبلته ودخلت إلى غرفتها كالعادة... هنيهة فقط وخرجت مسرعة إلى دورة المياه، تتقيأ، كانت الجدة تتابعها بريبة ، فقام من أريكته ودخل إلى مكتبه، خزانة تسد نصف الجدار، فيها كل أنواع الأدوية ولكل الأمراض، كأننا في صيدلية عمومية، أتى ببعض الأقراص وشراب وتبعها إلى غرفتها.
- خذي هذه أدوية لا تجديها لا في المستشفى ولا في المستوصفات، تناولي هذه الأقراص وبعدها بساعة تناولي هذا الشراب. كثيرة هي الأدوية التي أتوا بها إلى المستشفى لا تقدم إلا بوصفة من الطبيب، هي الآن عندي، مصوا مني الدم في هذا العمل، رن النقال في جيبه.
- نعم، من؟ مرحبا، خير ؟... إذا ما وجدت في الخزانة حول المريض إلى المستشفى ، وهل أنا أحمل الأدوية في جيبي؟ هو مستعجل وأنا ذنبي إيه؟..
أغلق هاتفه ورجع إلى الصالون....
رمت تلك الأقراص، غيرت ملابسها، وجاءت إلى الصالون
- كيف حالك؟
- الآن أحسن يا أحلى طبيب
- عندما أغيب يرتبكون في الحالات الإستعجالية دائما.
- حضورك يا أبي في كل مكان ضروري وأكيد، والمستوصف نصب فوقك، لك فيه أكثر من خمس وعشرين سنة .
- نسيت نظاراتي، وكدت أعطيك دواء انتهت صلاحيته، غدا ساعديني لرمي كل الأدوية الفاسدة ونجدد المخزون، في نهاية الشهر سيزودوننا بحصة الدواء، أعددنا القائمة في الأسبوع الماضي، وننتظر، لن تدخل الأمراض بيتي وإن دخلت فأنا لها بالمرصاد.
قرأت في الجريدة اليوم عن قضية اختلاس في الخزينة، هل قدموهم إلى العدالة؟
- نعم، أطلقوا سراحهم، وطلب وكيل الجمهورية إعادة التحقيق، يظهر أن في الأمر شبهة.
- لا شبهة ولا شيء، هذه جريمة، كان من الواجب أن يجعلوهم عبرة لمن يعتبر، المساس بالأموال العمومية لا جزاء له إلا الإعدام، حتى السجن أصبح اليوم فندق عشر نجوم، هزلت يا للمهزلة!....
دخل الفيلسوف، الإبن الوحيد، حياهم وجلس
- دخلت باكرا اليوم؟!
- زميلي مرضت أمه فتركني وذهب ليأخذها إلى المستوصف، ظننتك أنك الليلة في الدوام ووجهته إليك
- أحسست بالتعب، فخلفت زميلي ودخلت باكرا أنا كذلك....سيقومون بها.
رن جرس النقال في جيب الفيلسوف
- خير إن شاء الله، من؟ آه، مرحبا، كيف حال الوالدة؟
تغيرت نظرته، وبدى على وجهه الإستغراب والأسى
- عظم الله أجركم وحلاكم بالصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون، غريب، مستوصف إستعجالي ما فيه دواء؟! إمها جريمة نكراء... حولوها المسكينة إلى المستشفى فتوفيت في الطريق، لماذا كل هذا الإهمال والتلاعب بالأرواح؟.. جرعة دواء كانت ستنجيها من الموت.
- ماتت؟ الله أكبر، غدا نذهب إليهم، مسكينة الحاجة كنت أعرف أن هذا المرض هو سبب نهايتها، لأنه يتطلب رعاية وعناية خاصة... يرحمها الله... هذا أجلها لا يستطيع أن يقدمه أو يأخره أحد... المرض يا بني لا يقتل ، والدواء لا يحيي .
كنت فوق الساعة قابعا أتابع هذه المسرحية الدنيئة، ممثلوها جبناء وهم أول من يصدق بهذا البهتان، أردت أن أصرخ فيهم...كونوا أنتم....
الأم لم تقل شيئا، كأنها خارج مجال التغطية، جسدا وروحا تقلب صفحات مجلة نسائية فرنسية، إمرأة متوسطة، سمراء تظهر أصغر من بناتها، تضاهي عارضات الأزياء، همها الوحيد المحافظة على وزنها وشكلها ومحاربة آثار الزمن، معلمة اللغة الفرنسية لا يجب عليها إلا أن تظهر كذلك، متفتحة أكثر، مندمجة أكثر، أنوثة بمظهر الضعف، طيبة الكلمات، لطيفة الممارسات، مغرورة في دلع التراجع إلى سن المراهقة، تقدس الرومانسية وتثمن الحب الأفلطوني، تقرأ كثيرا الروايات الفرنسية وتعرف كل أكاديمييها، تفتخر دائما بزيارتها للتروكاديرو، وحدائق اللوفر، ولارك دوتريونف، والحي اللاتيني، والشون إليزي ولاتور إيفل و.. و.. و.. هي لا تعرف باربيس... تقول دائما أن أروع ما قرأت رواية مدام دوبوفاري للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير، كاتب سبق زمنه، قرأتها أكثر من عشر مرات، حتى قالت ليتني كنت أنا هي... في كل سنة تذهب مع بعثة على نفقة الدولة الفرنسية، أفنت عمرها في خدمة هذه اللغة ونقل ثقافتها وتلقين تاريخها إلى تلامذتها، أقرب الناس إليها إبنتها الأرملة، طلقها زوجها في أسبوعها الأول بعد الزفاف، ولا أحد يعرف السبب، خادمة في البيت، لا يرحمها أحد سواها، ملازمة لأمها كأنها الظل، إنها علبتها السوداء، تكاد تكون نسخة طبق الأصل لأمها، وجهين لعملة واحدة... العين دائما على العين... قبل العشاء دخلت إلى غرفتها، أغلقت الباب، وقبل أن تنام فتحت كناشا ضخما عليه صورة برج إيفل، تكتب فيه يومياتها، بدأت تتصفحه ثم توقفت عند يومياتها في باريس، وقفت فوق كتفها أقرأ معها لياليها الحمراء، كانت تقرأ، تبتسم وتارة تضحك، بل تقهقه، أشياء جميلة جدا لا تفعلها إلا المتحررة فوق العادة، تلقب زوجها دائما بالبغل، و هو لا يتجاوز وزن القط، في حين هو يفتخر بها حد الغرور، وهي بجانبه يقول لها دائما إنني محسود عليك، لأنه في المظهر أقل منها أناقة ولباقة، رغم تقارب ثقافتهما، تنافس كبير بينهما في المطالعة، لهذا تستشهد به لما تريد أن تتباهى، وتقول وحدها الفلسفة تزيده الفضل علي والطب، وإلا كان سيكون تلميذي، وتضحك، فينظر هو إليها بإعجاب، تلازمه كالسادية، وتتكسر أمامه كالقطة بل ألطف... وأنا يكاد رأسي ينفجر، آه، عفوا، أنا لازلت روحا، لا أعرف كيف أسمي هذا الشيء الذي يؤلمني عندما أرى هذه التناقضات...
.....يتبع....

محمود المشرفي 01-03-2013 05:11 PM

إسمحِ لي ابدي إعجابي بقلمك
وتميزك وأسلوبك الراقي
وتألقك

مختار أحمد سعيدي 04-03-2013 01:00 AM

لأستاذ محمود ...أيها الفاضل .
لك كل الشكر على هذا الحضور و على المتابعة .
تحياتي و تقديري

وهج الروح 04-03-2013 03:09 AM

مختار .......................




ما اروع قلمك مبدع مبدع مبدع

قصة جميلة ولك اسلوب راقي مميز

ويذكرني بصراحة بقلم الكاتبة المشهورة

اجاسي كرستي ...... بالفعل اقصتك فاقت

الابداع ويقال الصمت في. حرم الجمال جمالا

قلم مبهر راقي واسلوب رائع تعدى حدود التميز

واصل وسوف اكون بالقرب

مختار أحمد سعيدي 06-03-2013 12:37 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهج الروح (المشاركة 179952)
مختار .......................




ما اروع قلمك مبدع مبدع مبدع

قصة جميلة ولك اسلوب راقي مميز

ويذكرني بصراحة بقلم الكاتبة المشهورة

اجاسي كرستي ...... بالفعل اقصتك فاقت

الابداع ويقال الصمت في. حرم الجمال جمالا

قلم مبهر راقي واسلوب رائع تعدى حدود التميز

واصل وسوف اكون بالقرب

..........................

وهج الروح ...أيتها القديرة.
سعيد أنا حد الغرور بهذا الثناء الجميل ، و وقود يدفع اليراع الى آخر المطاف.
لك كل الشكر و التقدير .
تقبلي تحياتي و تقدير


مختار أحمد سعيدي 10-03-2013 12:46 AM

سكنني هاجس الفضول، وأصريت على معرفة حقيقتهم جميعا...
الجدة امرأة على المقاس القديم، بيضاء، طويلة حتى انحنت، بدينة شيء ما، شامة وشم على خدها الأيسر، لا تزال لمسات الجمال البدوي تتحدى الزمن، حجت البيت الحرام، دائما في لباسها الأبيض و في يدها مسبحة، تتمايل في مشيتها كاليخت، تحرك كتفيها يمينا وشمالا تبخترا، فيض من حنان، ثرثارة بامتياز، كاحلة العين، والشعر تحت الشال أحمر حني. تزوج الجد امرأة صغيرة عليها فهجرته، وجاءت تعيش عند إبنها البكر، السحر عندها هو القضاء و القدر، حتى وجع الضرس سحر ، و الجدال سحر ن و الغضب سحر ، فتأتي بشيء من الرصاص تذيبه ، وتسكب الماء في مهراس، تضع فيه الحناء، وتفرغه عليه وهي تصلي على النبي وتقرأ كلاما لا يفهمه أحد، فيحدث انفجاره فيه أشكالا وتخرج منه بقايا وأوساخ، تقرأ عليها الجدة للمصاب بالسحر في اعتقادها العجائب والغرائب، ورغم ثقافة زوجة إبنها فإنها لا تزال تؤمن بذلك حد الهوس و تحسب لحماتها ألف حساب، تقول السحر حق، وتدعي الحكمة في إبطاله ، يلجأ إليها الجميع دائما قبل الطبيب...
ذهبت إلى غرفتها في تلك الليلة... هنا ينتعش الماضي، وتزدهر الذكريات وفي متعة الحديث تطيب الشجون، ويشتد الحنين إلى الأطلال، وترحل النفس لتعانق الأصول، شهامة رجال الأمس هنا يفتخر بها ، وعزة نسائه فيها تتجلى، هكذا يقولون عنها، إنها ذاكرة العائلة، على لسانها يصنع الواقع مجد الأمس بالأسطورة، ويباح للسر أن يتنفس الصعداء، لا تزال تحتفظ ببعض الأدوات المنزلية التقليدية القديمة ، تزين بها غرفتها... وجدت عندها حفيدتها، كانت الجلسة خاصة، دخلت عليها وهي تقول لها:
يا بنيتي، رأيتك تتقيئين ولا أثر للوجع عليك، تتصرفين مع حالتك بطريقة عادية جدا ، هل عندك مشكل؟... صارحيني، سأخلصك وأسترك، وأنا وحدي التي تستطيع ذلك دون أن يعلم أحد، هذا شيء يحدث لكل الجميلات مثلك، أنا قبل أن يأخذني جدك جرى معي نفس الحدث، واستطعت بمساعدة أمي أن أروض جدك ويتزوجني ويسترني... إييييه يا ابنتي، تذكريني بأيام زمان، أقسم سأجعله يسجد لك، فقط أخبريني...
كانت مترددة جدا، تتابع حديث جدتها في صمت المنبهر، وواصلت الجدة لتطيب نفس حفيدتها..
- حتى لو قدر واكتمل سأقتله وأسقطه، اتركي الأمر علي وصارحيني قبل فوات الأوان، كل أعراض الحمل بادية عليك، قولي يا غبية لماذا تريدين المحافظة عليه، ورطك وسيهجرك، تخلصي منه وتجنبي على الأقل الفضيحة، تزوجي آخر وسأتصرف معك في ليلة زفافك كما تصرفت مع الكثيرات من أمثالك..
- يا طيبة قلبك يا جدة، كم أنت حنون، اتركيني أتأكد ونتصرف... ليلتك سعيدة.
رحل شهر مارس، وعادت الطيور التي هجرت إلى أوكارها، وزين أبريل ببواسقه الآفاق، وتلطف الجو أكثر، وأزهر الكون كله، وتغنت به الكائنات، في أول يوم منه نصبت الأم لكل واحد من العائلة مقلبا، واستطاعت بمكرها أن تلفق نوعا من الفواجع المصطنعة، وتملأ النفوس المريضة باليأس، ثم تفرغها لتزيد في رصيد الأحداث التي تزين بها الحديث في جلساتها الحميمية، فهي من لا يمكن لها أن تغفل عن هذا النوع من المناسبات، يتجاوب الجميع معها ،ويتحمل البعض مهازلها ويفتعلون، فكان أغلبهم ملكيون أكثر من الملك، على أن لا يضاهيها ولا يحاديها أحد، هكذا كانت فرنسا ولا تزال، تنشط في منظمة حقوقية، وعضو في جمعية وطنية لتربية الطفل ورعايته، عضو في لجنة أي صياغة للمنظومات التربوية...
الفيلسوف إبنها البكر، أستاذ في علم النفس، مدلل، مدمن هو كذلك على المطالعة بسذاجة، لا يؤمن بالثابت، ينظر إلى الجميع بعين الشفقة والمسكنة، وانطباع الجهالة، لا يستطيع أن يجاريه أحد في الكلام، يجمع كل المتناقضات الثقافية التي تساعده على الخروج من كل مأزق يوقعه فيه استرساله المتحول، يحفظ الكثير من النظريات والآراء عن ظهر قلب، يلقبه تلامذته بالسفساطي، وعند زملائه مجنون، مدمن على القهوة والتدخين،يتغنى برنين كؤوس و أقداح الصهرات ، يطلع عليهم دائما بمظهر المفتش كولومبو من بعيد، ويذكر الكثير ببطل رواية الأبله، أو العسكري شفيك، قصير القامة، ممتلئ، أسود الشعر، غليظ الشفتين، صغير الأنف، يتأبط محفظته السوداء، في بحث مستمر عن قلمه ونظاراته، تطلع من فمه رائحة مزيج القهوة والتبغ نتنة، حتى لا يكاد يواجهه أحد في الحديث معه، لا يتوقف عن الكلام. أمه تلقبه بيوسا 2 مؤلف رواية ( مديح الخالة )، تفتخر به، فقط لا يعجبها تعربه رغم أنه يحسن الفرنسية بامتياز، مثله مثل أخته أمينة الضبط، تقول عنهما، أحبهما أقل، ولا أحب فيهما هذا الخليط الذي من أجله كرهت أبي، تقول لهم ، انظروا، الرقص فن عند كل الأمم إلا عند العرب فهو جنس، و تضحك، هكذا كان يقول أستاذ اللغة الفرنسية..
- أليس كذلك يا فيلسوف؟... وتضحك.
كأنها ضغطت على الزر المناسب، فبدأ محاضرته في فن الرقص من هزة المهد إلى رقصات الآلهة وشطحات الصوفية... هي لا تستمع إليه ، كانت حينها تنظر إلى إبنتها التي سرحت بعيدا، تفكر في ذلك الرجل الذي انقطعت أخباره وتغمده الصمت الذي يصنع دائما حيرتها.
القاضي الذي كانت تعول عليه تخلى عنها، رفض الأمر جملة و تفصيلا ، واتهمها بمقلب لن يبتلعه بهذه السهولة مهما عملت ، وهو لا شك ينتظر الفرصة التي يحيلها فيها على البطالة، وبدأت تراودها فكرة الإنتحار، إنتقاما من سذاجتها وتهورها، هي التي كان يضرب بها المثل في الصرامة والجدية والإستقامة من بين أفراد الأسرة كلهم، و جدتها رغم حرصها لا تستطيع أن تصون سرها إلى الأبد ، فمن الأفضل لها أن تحمله معها وتختفي نهائيا ، مغمضة العينين تسبح في ظلام الفرضيات لعلها تجد مخرجا آخر... ثم ماذا، إذا كتب لها أن تموت فلا يجب أن تموت وحدها، ولتكن القيامة علينا جميعا... كانت يد أمها أسرع على كتفها ، فتحت عينيها فوجدتها تجلس بجانبها.
- لست على بعضك في هذه الأيام، هل عندك مشكل؟
- إبتسمت وقالت: لا، لا، أبدا، بعض التعب فقط، مع افتتاح السنة القضائية تتراكم القضايا، وتترادف الأحكام، والضغط كله على كتاب الضبط... تعبت، إني أفكر في الإستقالة.
- ماذا !.. الإستقالة؟ ... لا، لا، فإن فعلت فلا تنتظري مني حمل همك، عندي ما يشغلني وما فيه الكفاية، لست صندوق البطالة ولاملجأ الكسالى.
كانت تنظر إليها بكل هدوء، ثم قاطعتها قائلة:
- وهل طلبت منك شيئا!؟ .. حتى في طفولتي تأثرينهم علي جميعا، أظن أني جئت خطأ، هكذا أشعر، لأن أبناء الخطأ هم سبب مأساة العالم، وأظن أن الشيطان إبن الخطيئة، ولهذا يمقته الجميع... كم أكرهك يا أمي ... كم أكرهك.
وجاءت الجدة تجري، احتوتها وذهبت بها إلى غرفتها، يكاد وجهها يتفجر غضبا، تخنقها العبرات، ترد البكاء بكل ما أوتيت من قوة، تقول في نفسها، لن أتخبط أمامها حتى لو ذبحتني.
الأم: اللعنة... ستطاردك لعنتي.
لم تسمعها، كانت قد دخلت مع جدتها إلى غرفتها وأغلقت الباب، ترد دمعتها من حافة الجفون.
...يتبع...

وهج الروح 10-03-2013 02:15 AM

ما اروع اسلوبك يشد القارئ روعة ماشاء الله عليك

والجزء شدني اسلوبك راقي سوف اكون بالقرب اكثر شيء.

عيبني وصفك للاشخاص رائعة اقرى واتخيل الشخصيات

ارقى التحايا لك

مختار أحمد سعيدي 10-03-2013 09:52 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهج الروح (المشاركة 181177)
ما اروع اسلوبك يشد القارئ روعة ماشاء الله عليك

والجزء شدني اسلوبك راقي سوف اكون بالقرب اكثر شيء.

عيبني وصفك للاشخاص رائعة اقرى واتخيل الشخصيات

ارقى التحايا لك

................................

وهج الروح...أيتها الغالية.
أشعر بقربك و صدق تفاعلك ، كأني أستعين بأناملك في هذا البوح الجميل.
لك كل الشكر يا شقيقتي .
تقبلي تحياتي و تقديري

مختار أحمد سعيدي 14-03-2013 10:39 AM

الجدة: لا تكترثي، وألزمي غرفتك، إني والله أقدر ظروفك، هذه الأعراض لا بد منها في هذه الحالة، الوحم يا بنيتي إبن الجنون.. وأي جنون... ضحكت وضمتها بقوة في حضنها.
- وحده هذا العالم عالمنا نحن معشر النساء، تذكريني لما كنت حاملا بأبيك، لا أقول لك أكثر، وأظن أنني على يقين.
تشم في صدر جدتها رائحة عقد القرنفل والخزامى ممزوجة برائحة البخور، أرجعتها إلى زمن طفولتها المدللة، حين كانت تأوي كل مساء إلى هذا الصدر الحنون الذي ترعرعت في حضنه، صدر كان منبع الحنان ومصدر الحنو، تذكرت أشياء كثيرة كاد الزمن أن يمحيها من ذاكرتها، أشياء بسيطة صنعت سعادتها، وغرست فيها الأمل، تذكرت حكايا الأميرات في ظلام الليل الجميل حول مدفأة الحطب، ولمسات الأنامل على الناصية، وهمسات الجدة والجد نائم والكون كله لهما، امتزج دمع الحسرة بشجون الماضي وقهقهة الصبا التي كانت تر
سمها البراءة على ثغرها، لترسم لها تلك الأحلام التي أفلت.
-إياك أن تفكري في الإنتحار يا بنيتي، إنه خلاص الجبناء وتحاسبك روحك.
-ومن قال لك أنني أريد أن أنتحر؟!
حولت وجهها إلى الباب، وقفت، ولما همت بالخروج قالت:
-هكذا... لا أعرف كيف قلت لك هذا.. المهم كوني بخير. ربما لأني أعرفك أفضل من أمك، هذا الحجر كان مهدك .. وأنت الآن في حضني، تذكرت كل شيء، كنت مشاغبة بامتياز...
إبتسمت، فأعادت لها الإبتسامة، خرجت وتركت الباب مفتوحا... هي الآن هناك في القرية لما كانت مجرد بيوت متفرقة، تفصل بينها الحقول، تذكرت فرن الطين ورائحة خبز الشعير بزيت الزيتون، غناء الديك ودندنة الدجاجات، رنات النحل ورقصة الفراشات، لهث الكلاب وصهيل الجياد، شخير القط وأنين المغلاة، هذه الأوركيسترا التي تجود بها الطبيعة، تتحرك على أنغامها كل النساء آنذاك، لما كانت الطيور على أشكالها تقع، وهي الآن لا تراها إلا رسومات متحركة يقوّلها البشر ما لم تقل، فقدت جمال الطبع وشوهت براءتها، حتى قال الثعلب والله ما أنا بماكر، فقط من الحكمة أن يعتبر المخلوق بكل أخطائه، يحصيها ولا يعيدها، من الغباوة أن تلذغ من جحر مرتين، لا تزال تذكر هذه المقولة التي كانت تسمعها من جدها الذي كانت تراه حكيم زمانه.. ولما انتصف الليل ونام الجميع، فتحت الباب بهدوء وخرجت، فتبعتها، دخلت إلى مكتب أبيها، أغلقت الباب، أوقدت المصباح وفتحت الخزانة، وبدأت تقلب الأدوية، أخذت ثلاث قارورات وانصرفت بهدوء، خبأتهم واستلقت على ظهرها، ووضعت راحتيها على بطنها تحاول أن تلمس شيئا، رأيتها تتمتم، أطفأت الضوء ونامت، أنا بطبعي لا أنام، وقفت على رأس سريرها أستعيد كل ما جرى، أشياء كثيرة ما فهمتها، فقط تأكدت أنها تنوي على فعل شيء، لعله الإنتحار الذي حذرتها منه جدتها، تمنيت لو عرفت معناه، لأنني بدأت أكره المفاجآت، أشعل الضوء في الرواق فخرجت، وجدت أختها الصغرى، دخلت غرفتها و أغلقت بابها ، وضعت شريط.. كنت دائما أراها ملفوفة في تلك القطعة من القماش، منعزلة، لا تتحرك إلا وفي يدها شريط أو كتاب، في صراع مستمر مع الفيلسوف، تلقبه دائما بالزنديق، الكل يناديها الأخت، لا تأكل معهم ولا تجالسهم، قالوا كادت تترك الدراسة بسبب المعاكسات، تشعر بحساسية اتجاه الرجال، فأخلصت نفسها للعبادة كما تقول...
نظام العائلة هنا، كما يقول الجميع ديموقراطي، كن من تشاء، فقط اتركني أكون من أشاء... كانت هي الليلة في حالة أخرى، لأول مرة أنظر إلى الإنسان كما خلق لأول مرة، وبدأت تمارس على إيقاع ذلك الشريط طقوسا غريبة، شطحات وحركات، كأنها راقصة في معبد من معابد الهنود، تفاعلت حد البكاء، انبطحت، رفعت رأسها وابتسمت... ثم قامت مباشرة إلى الكمبيوتر، نقرات فأعادت الحصة على الشاشة بعنوان رقصة الأمازونيات، سهم يتابعها ، يشير مع الشرح إلى هفوات وأخطاء حركاتها ... شكرها المعلق، أثنى عليها وقال:
واصلي لكي تصلي، سرك في أعماق بحرنا.
اختفت صورتها، وظهرت صورة رجل يمارس نفس الطقوس. تركتها في خشوع العابدين وانصرفت، ولما أذن للفجر كانت هي الوحيدة في الموعد، اغتسلت، أظنها صلت وعادت إلى النوم...
وقام الفيلسوف يرتدي بدلته الرياضية، ليقوم بتمارينه كالعادة، ذهب إلى الحديقة العمومية حيث يلتقي ببعض أصدقائه، سيلتحق به عمه ويعودان معا.
العم سياسي حتى النخاع، يعيش وأسرته في الطابق العلوي، في عزلة تامة، يدخل من الباب الخلفي ويخرج منه، يتابع من بعيد كل صغيرة وكبيرة تحدث في العائلة، كالقرش يشم رائحة الدم من بعيد، يلقبونه بثعلب القبور، هو كذلك، ثرثار بامتياز، يتنفس الكذب ، بصنع الحدث و زوجته الصحفية تترية، تكتب باسم مستعار أحيانا للتمويه، هي تجمع الفضائح وهو يساوم، عندهما وجوه للأعداء و أخرى للأصدقاء.
لا تظهر كثيرا هي وأطفالها الثلاث، يكاد البيت يظهر خاليا كل النهار، الأولاد في الروضة، هو حيث الحدث السياسي وحيث الهرج، وهي تلاحق الأخبار وتقوم بالتحقيقات، في المساء يجتمعون على وجبات خفيفة، وينامون باكرا ليقوموا مبكرين، تعودوا على هذا النمط من الحياة. كلهم في نظال من أجل مستقبل أفضل وحياة سعيدة، من أجل التحرر أكثر، من أجل خدمة الوطن، وخدمة الوطن فقط... هكذا يقولون.
العم أسوأ ما خلق الله خلقا وخلقا وأبشع، سأله ابن أخيه مازحا ، بالله عليك يا عم، كيف قبلت بك هذه الجميلة؟ فيرد قائلا: الحكمة في سحنون يا بني وليس في النون، أشياء كثيرة في عمك لا تراها إلا الأنوثة الصادقة، ويضحك حتى تظهر نواجدة...
- أنت الذي لا يتجاوز مستواك التعليمي الإعدادية، استطعت أن تتميز بهذا النفوذ وهذه السمعة، ليتني أعرف سر نجاحك.
- فيقول: إنها ناصية زوجتي المباركة، يوم تزوجتها كنت أبسط مخلوقات الله، بل من أراذلة القوم، أما اليوم كل المفاتيح هي بيدي، بسمتي لا تقدر بثمن... ويضحك، لا تحاول، لن تستطيع أن تدرك سر نجاحي لأنك من طينة أخرى... الدنيا يا بني هي المرأة الأولى، لا تستعبدها إلا بامرأة ثانية أجمل منها، وأنا جمع لي الحظ في هذه المرأة الكثير، لا أزيدك أكثر.
مهدت الأمنية مسلك الطموح بمخالب الغيرة في نفس الفيلسوف، ما ابتلع بعد أن امرأة خريجة جامعة، مثقفة
وجميلة، تبني مجدا لرجل أمي تافه مثل عمه، هو لا يؤمن بالحظ، إلا أن في هذه المرة كاد يصدق أن السعادة أحيانا هي حليفة لأرادلة المحظوظين، رغم أن الحظ لا يباع ولا يشترى، حزّ في نفسه هذا الأمر، وأقسم أن يصل إلى حل هذا اللغز عاجلا أم آجلا...
يتابعها من بعيد كالفرس الجموح، سريعة الحركة، دقيقة الملاحظة، تسمع وتنصت بذاكرة قوية جدا، ذكية جدا، لا تفوتها الحركات ولا السكنات. بدأ يقرأ لها كل ما تنشره ، يطريها ويثني عليها في كل مجلس، يكتب أحيانا في نفس الجريدة على نفس الخط، يحاول أن تتلاقح أفكاره بأفكارها لتزهر المقاصد خلف المعاني، يزورها من حين إلى حين في غياب عمه، تكبره بثلاث سنوات وتظهر أصغر، متكتمة كثيرا، المعلومة عندها تؤخذ ولا تعطى، تستغل قبل أن توظف، وكان ما يجود به الفيلسوف من أخبار وتحاليل مادة دسمة وتفتح شهية ما تقدمه هي من أخبار، وبدأ مفعول القلم الرهيب يفتح له الأبواب التي كانت موصدة في وجهه ومشرعة على الآخرين، واختلط الحبر بالحبر، يستدرجهما مس الكتابة إلى لعبة الصياد والسمكة، لأول مرة تشعر أنها ليست طعما كما كانت، وأن خطها في الجريدة قد تحول، وأن بريق زوجها بدأ يخفت، وطلع نجم آخر يجذب مركبتها بكل قوة، وأنها تقترب بحيث يجب أن تفكر من الآن كيف تنزل بسلام.ليست هي التي نجاريه بهذه السهولة، إلا أنها رأت أنه أذكى، والفلسفة رغم سذاجة أصحابها أحيانا لا تؤمن بالمستحيل، في هذه المرة تستطيع أن تفلت من بين يدي زوجها، وإذا عرفت كيف تنزل قمرها الجديد في منازله... يمكنها أن تتخلص منهما بحجر واحد ، فعزمت على المغامرة...

....يتبع....

مختار أحمد سعيدي 21-03-2013 01:16 AM

لم يتفقدها أحد، خرج الجميع باكرا،وحدها الجدة تلاحظهم جميعا ، وليست من عادتها أن تبقى في الفراش حتى تطلع الشمس، أراها اليوم مستيقظة ولم تقم، سارحة، رأسها على ذراعها، وتعبث بأصابع يدها الأخرى، أظنها توقفت عن العمل، رن الهاتف.
- نعم، مرحبا.. أنا في إجازة.. خمسة عشر يوما.. لا زلت أفكر، ربما.. سأخبرك في الوقت المناسب.. شكرا... سلام.
استوت جالسة، وضعت يدها على بطنها، ضربته بقبضتها وقامت، تفقدت جسدها أمام المرآة، ابتسمت، أعجبت بنفسها، ظهر ذلك على وجهها، فقط لم تكن مغرورة، ولا تعرف كيف تمارس الغنج، لما التقت به لأول مرة تأكدت من حسن نيته بسهولة، طاوعته بدون تردد ولا تحفظ، أما ماضيه لا تظن أن هناك من سلم من الخطيئة إلا نادرا، وما كان ليحاسبها حتى لا تحاسبه، هكذا نصبت للرأي ترويه، و الآن إنها على عتبة اليأس من عودته، وله الحق في ذلك، لأنها أخلت بشرط من شروط الإتفاق، يجب أن تتحمل مسؤوليتها وحدها، وقد جاء وقت الحسم...
أخرجت القارورات الثلاث، ركبت خليطا، وضعته في كأس وجلست تنظر إليه ..كنت أتابع حركاتها بفضول غريب، كأنها تريد أن تحدد مصيري وليس مصيرها، تعجبت، لأول مرة يحدث معي هذا... ثم قالت:
والآن ما بقي بيني وبين الموت إلا هذا الكوب، هل حقيقة لست خائفة؟! الشيء الجميل في الموت على ما أعتقد ، هو تحرر الروح من هذا الجسد المستبد، فيتعفن ويفنى ،ويفنى معه جبروته، أنانيته، حرصه، غروره، وشهواته، وتذهب معه أشياء كثيرة صنعت شقاء الإنسان وتعاسته..
ويبقى السؤال المحير وراء من انتحروا، هل الحياة هي فقط هذه الصورة السوداء القاتمة التي تقودنا إلى الخطيئة ثم الى الموت، وعندما نفقد الأمل نلجأ إلى الهروب ألى الأمام، إلى ما وراء العقل خوفا من عقاب العقل؟ هل الموت حقيقة هو الخلاص؟... وماذا بعد؟.. هل هو هروب من العقاب أم هو بذاته عقاب، إنتقام الذات للذات؟ هل هو جريمة أم به تتطهر النفس من زلاتها وبشاعاتها؟... على كل حال يبقى الموت هو المفر الوحيد من شماتة الأعداء، وهو وحده الذي يستر فضائحنا لأنه أخرص، ماذا سيقول الناس عني وأنا التي أظهر مثلا أعلى، احسد على كل النعم التي أعيشها، سأكون محل سخرية التافهات من بنات الخالة والعمة والساقطات من بنات الشارع، وأبقى لعنة تطارد الجميع، لا، لا، لا، وألف لا، يجب أن أضع لنفسي نهاية وأختفي بسري إلا الأبد، أما أنت أيها الرجل، يكفيك فخرا أنك فقدت بانتحاري في نفسك الشهامة والمروءة، وستنحني يوما رغما عنك من ثقل الدناءة. وداعا.. وداعا..
حملت الكوب بين أصابعها، أفرغته في جوفها واستوت جالسة فوق السرير، تريد أن تتذوق مرارة الموت بارتياح.. أما أنا بقيت أحوم حولها عاجز عن فعل أي شيء، وبدأت روحها تتشكل لتنفصل عنها، أحاول عبثا إعادتها... مالت، ثم سقطت من السرير على الأرض، تتوجع وتتقيأ، تشد بطنها بيديها، اشتدت أعصابها وبدأت كأنها تتقطع، تنقبض حتى تنقبض ثم تنتشر، تزحف نحو الباب وكأنها تطلب النجدة، تريد الخروج.. فإذا بالجدة تدفع الباب وتدخل، بسرعة حملت الهاتف وطلبت النجدة بكل هدوء...وما هي إلا بضع دقائق حتى وصلت سيارة الإسعاف، حملوها ومعها جدتها إلى مصلحة التسمم مباشرة، ومعها القارورات الثلاث، الجميع في سباق مع الموت، بعد عملية الغسل وضعوها تحت المراقبة، وبدأ صراع الحياة مع الموت في جسد فقد كل مبررات المقاومة، وحدها العقاقير تدافع عن البقاء، لا تزال الروح على أبواب كل المناتح مترددة، آلمني ما كانت تقاسيه، فتوسلت إليها للبقاء ولا أعرف لماذا فعلت ذلك، كانت روحها منهزمة، منهكة، منهارة... لم أكن أتوقع أن الروح تسلخ من الجسد هكذا، ما رأيت ألما أشد، كانت صرخات الروح وهي تحاول الخروج تمزق الكون كله، بعد هذا عرفت لماذا سمي الإنتحار جريمة تعاقب عليها كل التشريعات ، لأن الروح ليست ملكا لأحد، وأصبحت الآلات هي التي تتحكم في الحركات والسكنات في انتظار كلمة القضاء والقدر الأخيرة.
و جمعت مصيبتها الأهل والأقارب في تلك الليلة، و كانت فرصة لصلة رحم مزقته المصالح.الأعمام والأخوال والأصهار ومن تبعهم، يتحسسون لمعرفة سبب هذا التسمم كما قيل لهم، وكان اللقاء ثريا جدا، حميميا بين البعض، وجافا قاسيا بين البعض الآخر، منهم من لم يتجاوز نصف ساعة وكما جاء ذهب، ومنهم من أسر على تناول العشاء، ومنهم من شده شجون الحديث، ينتظر من الخبر ما يروي ضمأ فضوله، ومنهم.... الوحيد الذي لم يتكلم هو الأب، وقد رأوه يتحدث إلى الطبيب، جالسا على أريكته يلف ساعده بساعده، يكظم بصعوبة غضبه وتأثره، ولا أحد يجرأ على الكلام معه... الفيلسوف كان همه الوحيد زوجة عمه، هي كذلك كانت عليه بخائنة العين، اغتنمت فرصة انشغالهم بالحديث وأشارت إليه أنها ستعود إليه الليلة، فابتهج وبدأ يحلم بليلة من ليالي السمر الجميل.
انصرف الجميع وبقي الأب وحده يجتر كل الكلام الذي سمعه، وبحكم تجربته، حالات الإنتحار تأتي بسبب تافه، وفي أغلب الأحيان وراءها سر جريمة، الحلقة الضائعة في كل هذا هو أنه كان ينتظر منها كل شيء إلا الإنتحار، ويبقى السؤال يؤرقه حتى وهو في فراشه يصارع الإحتمالات ....
فتحت عينيها فوجدت وجه جدتها يملأ كل المكان، مدت ذراعيها وانهارت بالبكاء، عانقتها الجدة بكل حنو وقالت:
- لا عليك يا بنيتي، حصل خير، لقد تجاوزت مرحلة الخطر، حتى الجنين نجى بأعجوبة، هكذا قال الطبيب، لا تخشي شيئا، حذرته، ولا أحد يعلم، ولكن حذرني من الإجهاض، لا تخافي، إنها سرية المهنة، لقد واعدني.. ارتاحي حتى تقومي عاجلا، أنت بحاجة الآن إلى طاقة و قدرات كبيرة للوقوف...
كانت تنظر اليها بعيون المها ، كأنها رحمة الموت عندما تمسك، أحست بها سندا ملائكيا يغيث مضطرا خانته كل الحيل، وقالت:
- الموت يا جدتي، ما أفظعه، لم أكن أتوقع أنه احتراق بنار بين الجلد واللحم... كأني أعود من الغابرين.
- كنت في صراعك مع الموت قوية جدا، كنت واثقة من نجاتك، ارتاحي الآن ولا تتعبي نفسك بالكلام...
وساد الصمت من جديد يخيم على الغرفة، وغالبها النوم فاستسلمت ووضعت الجدة رأسها على السرير فنامت هي كذلك جالسة على الكرسي، وبدأ القضاء يرسم أفقا جديدا على مد بصر الظن، وعادت الأحلام إلى مواطنها، وبدأت الذات تنشد الأمل...
....يتبع....

وهج الروح 21-03-2013 03:25 AM

مختار ما زالت اتابع قصتك بكل شغف ما اروعه من اسلوب يشدني كل مرة

لا اعود واقرى ما تبقى من احداث واصل فجمال قلمك لم اجد في احد شكرا

من القلب ع امتاعنا بقلم يجيد فن الكتابة ارقى التحاي لك

مختار أحمد سعيدي 22-03-2013 01:33 AM

[quote=وهج الروح;182870]مختار ما زالت اتابع قصتك بكل شغف ما اروعه من اسلوب يشدني كل مرة

لا اعود واقرى ما تبقى من احداث واصل فجمال قلمك لم اجد في احد شكرا

من القلب ع امتاعنا بقلم يجيد فن الكتابة ارقى التحاي لك[/quote
...........................

وهج الروح...أيتها الجميلة.
من القلب أطهر تحية و أطيب أيتها الرفيقة على درب الابداع.
أشكرك على الحضور و المتابعة و الكلمات اللطيفة.
ابقي معي أستند عليك لما تتعبني الأحداث.
تحياتي و تقديري

مختار أحمد سعيدي 27-03-2013 01:54 AM

[
color
="darkred"]إنتصف الليل وسقطت أقنعة النهار وتحركت النزوات والشهوات، واختلى كل واحد بحقيقته، ونزلت زوجة العم كأنها ضيف شرف في سهرة رومانسية، أدخلها الفيلسوف إلى غرفته، طلبت منه كأس ماء بارد، فتركها وأسرع إلى المطبخ ولما عاد كانت هي قد نصبت الفخ، جلس بجانبها على السرير وناولها الكوب، شربت، وسألته:
- ماذا تريد مني؟ أظنك متيقن أنني زوجة عمك!
سؤال لم يكن يتوقعه، إلا أن مخزون الكلام كان أوفر
- يا سيدتي إن الحب لا يؤمن بهذه الخرافات، إنه مثل الطوفان يجرف كل الطابوهات، الحب يا سيدتي هو ذلك الوحش النائم في عمق الإنسان، فإذا استيقظ يكسر كل القيود والسلاسل والحواجز لبلوغ مستقره ومستودعه، الحب يا سيدتي هو ذلك الإحتراق الذي
يتحدى بمعجزاته العقل والنقل، ولهذا أنا أؤمن به، ولا أؤمن بغيره، هي المشاعر الوحيدة التي أقدسها، لأنها تنبعث من عمقي ولا يمليها علي أحد خارج ذاتي، بعيدا عن قناعتي.
- كدت تقول شعرا، ما ظننت أنك رومانسي إلى هذا الحد، مر الكثير من هنا، وأشارت إلى صدرها، لكنهم يختلفون عنك في كل شيء، وأظن أنك ستكون أشد علي من وطأ زمن الجنون... صدّق سأكون معك مختلفة جدا، لأننا نعيش ما وراء المنطق العادي، منطق الجنون، فما أعظم البلاء وما أفظع نوامسه عندما نمارس الأشياء خارج المعقول، سأفشي لك بسر لا يعرفه سواك، أنا لم أكن زوجة عمك وحده أبدا، وهذا سر نجاحه، ولهذا لن أكون لك وحدك أبدا مادام عمك على قيد الحياة، وأضمن لك النجاح الذي تسعى إليه.
- أنا لا أؤمن بالخطيئة لأنه نهي خارج الذات
- أنت أفضل من الذي يؤمن بها مثلي ويمارسها
- وما أرغمك على هذا؟!
- تريد الحقيقة؟ ستؤلمك، وتورطك في آن واحد
- الحقيقة دواء مر، لكنه ضروري للتواصل في الحياة
- عمك هو الذي يدفعني
- غير ممكن، لا أصدق، أعرفه أشد المحافظين
- هذه هي الحقيقة
- هل أنت هنا بعلمه؟
- لأول مرة، لا يعلم، كنت دائما الطعم الذي يصطاد به
- ابتعدي عنه
- مستحيل، لأنه يحتفظ بكل التسجيلات، إستعنت به غصبا لاستعادة أول شريط، فاحتفظ به، تزوجني ولا يزال يستعملني للإيقاع بجميع من تسول له نفسه المساس بمصالحه، صدق أو لا تصدق، أنا مهددة في كل لحظة بالتصفية، حياتي مرهونة بحياته، أنا متورطة مع شخصيات نافذة جدا... أنت أول وستكون آخر من يعلم، هل تستطيع أن تحميني؟!
- عمي يفعل هذا؟ والأولاد
- هم باسمه... فماذا أنت فاعل بي الآن؟ أما أنا فلن أتراجع، لأنك عرفت عني الآن كل شيء.
لم يصدق وظن أن مفعول كأس الريكار الذي تناوله قبل أن تأتي زوجة عمه بدأ مفعوله، إنتابه شيء من الخوف، وأحس أنه ذلك الجبان الذي كانت أمه تصفه، يبحث كيف ينتهج مسلكا للتراجع وهو بين مخالبها، وأخيرا يكتشف أنه مجرد رجل تافه لا قيمة له، عمه أجرأ منه.
وكانت ليلة عرس المذلة، لعبد مجرد من كل المشاعر النبيلة، صنعتها مشروبات روح الإستلاب والمهانة، وقبل الفجر خرج ليقضي حاجته، فاغتنمت الفرصة ودست الكاميرا التي سجلت تلك الليلة بكل تفاصيلها، وضعتها في صفطها، وعادت إلى بيتها بغنيمة ما كانت تحلم بها أبدا، شيّعها وعاد هو إلى غرفته وقد زال سكره يستعيد حديثها كلمة كلمة، كأنه قرأ رواية لكاتب إنجليزي يعرف كيف يحبك عقد السر وفواجع العلانية.
كنت معهما في تلك الليلة، وبدى لي أن كل شيء عادي، وماذا يفعل رجل لا يقيده ضرع ولا شرع بأي امرأة إذا اختلى بها؟ الذي حيّرني هو الحديث الذي جرى بينهما، حديث اجتمعت فيه الكثير من الأشياء التي لا تعكس ما وصلا إليه، وعرفت أن فلسفة الكلام الذي كان يتبجح به، ما هو إلا قناع يخفي قناعات باطلة يعجز أن يبررها السلوك.
ونحن هكذا حتى رن هاتفه...
- نعم.. كيف؟!... لا، ليس صحيحا... لن أغفرها لك... هل يمكن أن أرى الشريط؟.. لماذا؟ لعوب أنت... لا، قلت لعبة دنيئة... لا، لا، أرجوك لا تفعلي، سنتكلم فيما بعد، لست الآن على بعضي... وقطع المكالمة.
وبدأ يصرخ.. لعينة، لعينة، لعينة..
فطرقت أخته على الباب، ثم طرقت، ففتح.
- ماذا بك؟ صحوت فسمعتك تصرخ، هل أنت بخير؟
- لا أبدا، أظنه كابوس نوم
كان عند رأسه منديل امرأة، وقارورة خمر فوق سريره المبعثر، فابتسمت وقالت:
أظنه ناقوس يقظة.
أغلقت الباب وانصرفت وعاد السكون...
انصرفت أنا كذلك وتركته غارقا في وحله حتى العنق.
...يتبع...[/color]

وهج الروح 27-03-2013 04:43 AM

جزء جميل كم انت مبدع في. سردك وكاني اقرى لها مع كل جزء من روايتك

كم هي خبيثة تلك المراة التي تستغل نقاط ضعف رجل عاجز خارج عن شخصيته

الرزينة المعروفة بالصدق ولكن يبقى. لهمسات الشيطان دور كبير في اغواء من

لا مكان له في عالم الرذيلة ....... ادههشتني تلك الكلمات الصادرة من قلمك الذهبي

اكمل فانا في ترقب لمعرفة ماذا سيحدث وما هي الاحداث المتبقية ..... انت مبدع خوي

مختار

مختار أحمد سعيدي 27-03-2013 10:57 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهج الروح (المشاركة 184089)
جزء جميل كم انت مبدع في. سردك وكاني اقرى لها مع كل جزء من روايتك

كم هي خبيثة تلك المراة التي تستغل نقاط ضعف رجل عاجز خارج عن شخصيته

الرزينة المعروفة بالصدق ولكن يبقى. لهمسات الشيطان دور كبير في اغواء من

لا مكان له في عالم الرذيلة ....... ادههشتني تلك الكلمات الصادرة من قلمك الذهبي

اكمل فانا في ترقب لمعرفة ماذا سيحدث وما هي الاحداث المتبقية ..... انت مبدع خوي

مختار

............................

وهج الروح....صديقتي القديرة.
حضورك سند و مدد و نفس في اليراع طويل.
ابقي بالجنب أحتاجك.
شكريي تحياتي و تقديري

مختار أحمد سعيدي 01-04-2013 02:27 AM

في صباح ذلك اليوم، طلعت شمس الجميع كعادتها، وبدأ عالم النهار بأقنعته، يتوافدون على مائدة فطور الصباح التي أعدتها الأرملة، بنفس الطبائع، الأب يستمع لنشرة الأخبار قبل أن يخرج، الأم بحركات الحمامة تدندن بالفرنسية، الفيلسوف يبحث عن نظاراته وعلبة سجائره في فوضى البارحة، الأخت الصغرى رتبت كراريسها ولبست حجابها الذي لا ترى منه إلا الوجه والكفين، الجدة بمسبحتها في الصالون تقرأ في عينيها انشغال لم يحدده أحد، تفكر في خروج حفيدتها اليوم، وقبل الضحى لم يبق في البيت إلا الأرملة والجدة التي كانت تستعد للذهاب إلى المستشفى، حملت عصاها، وصلّت على النبي، ولما التفتت وجدت الأرملة واقفة أمام باب المطبخ تستعجل خروجها فوقفت وقالت:
- سيخلو لك البيت، على كل حال أنت شر أهون من أخيك الفيلسوف، حقيقة كان فينا شيء من الشيطان ولكن ما بلغنا بالجرأة ما بلغتن، ولما صلت أمام الباب قالت:
- هذا بيني وبينك، وأمك تعلم... ولدي وحده المغرر به في هذا البيت ويا أسفي...
خرجت وانغلق الباب وراءها بكل هدوء يدفعه ساعد ميكانيكي.
فابتسمت ورقنت الرقم..
- ألو... لهم الليل يا صديقي ولنا النهار، لا تنسى أقراصي، لقد بدأ يمخرني القلق، أرجوك لا تتأخر، الكل يتآكل في جسدي، كأنه الكلب، لم يبق في حوزتي إلا خاتم من ذهب ، سأعطيه لك، أعيش هذه اللحظات على الأعصاب... أرجوك أسرع وإلا سأجن.
كانت هي آخر حلقة أحضرها في هذا الكرنفال، وهاجمتني الأسئلة من كل جهة حد ضيق الفضاء، فالتكن الروح ما تريد، إلا أن تكون بشرا، وسألت نفسي عن سبب وجودي في هذه العائلة، وسكنني الهلع والخوف، أنظر إلى طهارتي ونجاستهم وجشعهم وفظاعتهم ونفاقهم، وأتصور نفسي في جسد نتن كهذه الأجساد التي دنست الوجود، وهل أستطيع أن أرفض؟...
وماهي إلا سويعات بعد الظهيرة حتى اجتمعوا كلهم في غرفتها، على غير ماكانوا عليه، يبدون تعاطفا بدموع التماسيح، يستسمحونها، وضاقت الغرفة بالفواكه والمشروبات والحلويات، وقد قالوا فيها ما قالوا، تغامزوا وتلامزوا وتهامزوا، وحتى الآن لم يصدق أحد أنه مجرد تسمم غذائي، تشعر في أسئلتهم المشبوهة وانشغالهم المبالغ فيه حد الإبتسامة الساخرة نوعا من فضول الشماتة ، تتظاهر بالإرهاق لاستعطافهم للحد من استدراجها إلى ما لا يقال، لقد ضاقت بهم حد النفور، فتفطنت الجدة ،وطلبت من الجميع منحها قسطا من الراحة، فامتثلوا لاقتراحها، وخرجوا كسالى... وضعت الوسادة على سند السرير واستوت جالسة، مائل رأسها إلى الوراء، تنظر إلى الأعلى، فكان الدمع أقرب أنيس، تعض على شفتيها كأنها في مخاض عسير ، وضاعت قدم التدبير في متاهات التفكير، وعادت إلى نقطة الصفر..
أصابتني غفوة، وما شعرت إلا وأنا في مكان مظلم، ضيق، موحش، وكان علي أن أكتسحه أنملة أنملة، شعرت بشيء يدفعني بقوة رهيبة لأنتشر فيه، أحجس أنني على المقاس، أخذت كل نفخة مني مكانها، وبدأ ذلك الجسم ينبض ويمتصني حتى تناسقت النبضات والحركات، كل يوم يتسع أكثر والمكان يضيق حتى تشكلت وأصبحت أسمع وأحس،حينها عرفت أنني بشر، وأن تلك التي كنت ألازمها هي أمي، وأني سبب الشقاء الذي كانت تعيشه ولا تزال، أقرأ في موجات تفاعل أفكارها وأقوالها، حركاتها وسكناتها، إنها امرأة مضطربة لا تستقر أبدا، في غليان داخلي متواصل كأنها بركان على وشك الثوران، وشتان بين باطنها وظاهرها الذي يشبه سطح بحيرة هادئة تبتلع مصباتها الهرهارة في سكون كله هيبة ووقار، أشعر في عمقها بسخطها علي، إلا لأن صرختي ستنزع عنها ذلك القناع ،وتظهرها على حقيقتها أمام الجميع، ولكي أشعرها أنني استيقظت تحركت لأول مرة في بطنها، فاستنفر كل شيء في جسدها...
أنا هنا يا أمي...، وبحركة غير إرادية، قفزت من السرير واستوت واقفة، يد على بطنها والأخرى على فمها، مباشرة فكرت في الإجهاض، تحركت ثانية فظهر عليها القلق، وارتبكت، لبست رداءها وأسرعت إلى الجدة، دفعت الباب ودخلت دون إذن، فوجدتها نائمة، ففزعت وهي تصلي على النبي:
- ماذا أصابك؟
- إنه يتحرك، نعم إنه يتحرك يا جدة، ماذا أفعل؟ إني أشعر به.
فضحكت الجدة، واستوت جالسة فوق فراشها وحضنتها.
- شيء عادي يا بنيتي، هوني عليك، يجب أن أجد لك مخرجا، فقط إهدئي ولا تكترثي، واصبري... حتى الآن لا يظهر عليك أنك حامل، إنتفاخ بطنك يظهر عاديا جدا، مجرد سمنة، وسنتدارك الأمر، لا تخافي
- إني خائفة يا جدتي، إني خائفة... فقدت ثقتي بنفسي وهانت علي.
- أقسم لك أني سأخلصك، ولكني أبحث عن طريقة لا تظهر تعمدنا الإجهاض، وإلا ستصبح فضيحتنا فضائح، الأمر ليس هيّنا ولكنه ليس مستحيلا، فقط إصبري وسأتصرف في الوقت المناسب، اذهبي لترتاحي واتركيني أفكر...
وعادت إلى غرفتها تجر ذيل الخيبة، يدفعها الضياع إلى المجهول الذي يغتال في يقينها كل المحاولات، ويفتح للشر كل الإحتمالات، واختارت أمي أن تقدمني قربانا لجريمتها وتهورها، فتحولت إلى وحش، بل أبشع لأن الوحش لا يأكل أولاده لإخفاء بشاعته...
وأمسيت أنا في زنزانة أنتظر تنفيذ حكم على ذنب أنا ضحيته... يا ما رفضت أن أكون رهين هذه القطعة من اللحم النتنة، ولكن هذا ما جرت به مقادير أرادت للسنن أن تكون هكذا، قطعة لحم خيّر لها أن تنبت من مزيج الحلال والحرام، وتلقّح بأقوال وأفعال وعادات وتقاليد تخالف في أكثر الأحيان الغاية التي نشأ الخلق من أجلها... ووجدت نفسي أتشكل وأتصور بطريقة رهيبة جدا، أكتسب قدرات لو سخرت تكفي لدمار العالم كله، أنا ذلك المخلوق الصغير أستطيع أن أهدد الكون كله... وبدأ صراع من نوع آخر يستوطن ذاتي، أسأل نفسي من سأكون إذا قدّر لي وخرجت من هذا القبو، وطال انشغالي بما ليس لي فيه قيد ولاشرط...
وخرجت أمي إلى عملها كعادتها، في هذا اليوم كان الشارع أطول، والزمن أثقل، وانفتحت ذاتها على الضياع، وانحنت مياسم الجمال التي كانت تصنع عنفوانها، هي لا ترى أحدا ،إنها تمشي على الرصيف وحدها، في خط مستقيم، يتجنبها الرائح والغادي بغرابة ، وابتلع انشغالها الضجيج وأرخى سدائله على الواجهات، تبتلعها الخطى الثقيلة التي لا تريد أن تتوقف، بعثرت صفعات الريح خصلاتها التي تمردت عن الخمار، وعجزت لمسات الزينة أن تخفي آثار الدمار، تبتلع آهاتها وحسراتها في كمد، تصل إلي مشفرة كأنها أشباح لعنة أيقظتها الإنكسارات، يهاجمني الندم وتهاجمني خيبتها ،ويحاصرني قلقها من كل جهة...
أمام باب المحكمة، البواب كعادته واقف يتابعها بخائنة العين، تصعد مرهقة على عاتقها هم الدنيا كله، فرق لها قلبه وهو ينظر إلى عز في شموخ بدأ ينحني نحو الأقوال، دخلت إلى مكتبها، أغلقت الباب، لما رفعت رأسها كان الدوام قد انقضى منذ ساعة، أما هاتف القاضي قد سد عليه العنكبوت بيته وأصبح آية لمن يعتبر، فتنهدت، جمعت أشياءها وخرجت...
في الجهة الأخرىمن الشارع، على الرصيف، وفي نفس المكان، كان واقفا ينتظرها، تأكدت، إنه هو.. لا مجرد سراب.. تأكدت، أصابها البحران، ثم الدوران، فسقطت مغشيا عليها... ولما فتحت عينيها وجدت نفسها على سرير المستشفى، كان جالسا يمسك بيدها كعادته، كانت يده ألطف وأسخن، تنبض فيها الحياة، إبتسم لها ابتسامة أخرى، خالية من الغرور... وقال:
- لا بأس عليك يا حبيبتي، لقد انتهى كل شيء، سنوثق زواجنا وننتظر ثمرة اللقاء، لقد نجى بأعجوبة، إنه ولد، نعم، ولد يا...
وضعت يدها على فمه في صمت، فدخل الطبيب، فحصها، وأذن لها بالخروج وقال له:
- هل بينكم خلافات؟
- نعم بعض الخلافات، ولكن ستزول، خلافات بسيطة
- إعتني بزوجتك أكثر، إنها تمر بمرحلة حرجة
- سأفعل سيدي الحكيم، سأفعل...
أمام باب المستشفى، أشارت إلى سيّارة طاكسي، توقف، ركبت، أغلقت الباب وانطلقت.. لا يزال واقفا حتى اختفت...
...يتبع....

وهج الروح 01-04-2013 03:03 AM

جميل ان تسافر بخيالك الي اسلوب يعيشك في القصة نفسها

اشخاص رائعون واسلوب اكثر من رائع يسافر بيك لللبعيد

تقرى في تني وتكن في ترقب دائما لاحداث اسلوبك يجعلنا

نكتب النهاية باسلوبنا وقراتنا للاحداث شكرا مختار ع هالابداع

النابض هنا

مختار أحمد سعيدي 02-04-2013 01:21 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهج الروح (المشاركة 185035)
جميل ان تسافر بخيالك الي اسلوب يعيشك في القصة نفسها

اشخاص رائعون واسلوب اكثر من رائع يسافر بيك لللبعيد

تقرى في تني وتكن في ترقب دائما لاحداث اسلوبك يجعلنا

نكتب النهاية باسلوبنا وقراتنا للاحداث شكرا مختار ع هالابداع

النابض هنا

.............................

وهج الروح...أيتها الفاضلة.
مستأنس بك ...ابقي معي الى آخر المطاف .
فقط لا تجامايني لأني أثق بك كثيرا.
تحياتي و تقديري

مختار أحمد سعيدي 02-04-2013 01:23 AM

دخلت إلى البيت متأخرة جدا، وجدت جدتها أمام الباب، لم تحيي أحدا، ودخلت إلى غرفتها، أغلقت الباب وألقت بنفسها على السرير، تبعتها جدتها، حضنتها في صمت، تنتظرها أن تقول شيئا، سألتها فلم تجب، كانت تنظر إليها بعينين همعتين، تحاول، وتحاول، ولكن الصدمة كانت أشد.
أما هو كان الجرح أعمق، والمصاب جلل، والهزيمة نكراء، وعذاب الضمير لا يرحمه... أراد أن يقول لها كلاما كثيرا، اكتظ في صدره، يبوح لها بأسرار صمته، يروي لها أحاديث الشجون، فاغتالت فرصته، وتركت الكلمات تتآكل في عمقه، والحروف تحترق، يبتلع اختناقه، هو لا يريد أن يستعيد الماضي الذي يجبره على إعادة قراءته إلا بحضورها حتى لا تحاكمه هذه الأشياء على افراد، حتى الأماكن التي كان يمر بها، قرعت طبول الحضور بقوة، صدى خطواته، ونقرات كعبها، بسمتها الدامعة، ووهيج عطرها الذي كان يسكره، كانت الوجوه كلها وجهها، وصمته أمسى صمتها، سكنته هواجسها، وتصعد الصرخة تلوى الصرخة فيكظمها، كم هو بحاجة إلى من يحدثه، إلى من يسمعه بدون قيود وبدون حدود، كم هو مؤلم مخاض الإعتراف، كم هو مؤلم مخاض البوح باغتيال الحقائق... يخشى أن تولد همومه في الفراغ، في الصمت الذي كان يمارسه عليها، في الأشياء الجميلة التي كان يدّعي أنه أهملها... ويأتي السؤال اللغز.. هل ستسمعه؟.. هل ستصدقه؟ .. هل ستسامحه؟.. برد شرابه المفضل ولم يشرب منه جرعة واحدة، والنادل ينظر إليه بعين الشفقة، ولا يكاد يصدق، المطفأة قد امتلأت ببقايا السجائر، ولا يزال يبحث لكلماته عن أذن صاغية، وضع قطعة نقود على المائدة وخرج، إلى الحانة المقابلة وقف أمام الحاسب، القدح تلوى القدح... أحدث فوضى كبيرة، فأفرعوه، وعاد إلى بيته، يرده الحائط إلى الحائط، بصعوبة فتح، دخل، وانصفق الباب وراءه، أجلسه الدوران في الرواق حتى الصباح، وجد نفسه نائما والدنيا نهار، كان في حالة يرثى لها.. أخرج هاتفه، نقر، لا أحد يرد... الرقم الذي تطلبه لا يرد.. قام كأنه هيكل تزعزعت دسره، يحاول أن يشتد، جاء بفنجان من القهوة وجلس في الصالون، لا يزال رأسه يرن، يتفقد جسده، كأنه رجم بالحجارة، إنه هيكل مفكك ملفوف في بطانته، فدخل إلى الحمام، في المغطس بدأ كل شيء فيه يعود إلى مكانه...
ترى ماذا هي فاعلة؟.. ليته يعرف ما يدور في نفسها، ولماذا هربت منه البارحة.
حتى الآن لم تصدق، هل هي الحقيقة أم هو الحلم والسراب؟ هو ذا يعود بعد أن كادت تفقد الأمل وأشرفت على الموت، يعود ليحتويها من جديد، ويعود وهو إنسان آخر غير الذي كانت تعرفه، ما الذي جرّده من غطرسته وجبروته؟ من الذي أنزله من تكبره وخيلائه؟.. إنها الحقيقة التي تضاهي الخيال، نعم عاد وتبنى الحمل رغم أنه لا يعلم عن حقيقته شيئا، ولا أنا، هل أصارحه وأعود إلى الدوامة أم أسكت وأتركها لسير المقادير؟... ودخلت الجدة كعادتها بكل هدوء..
قولي يا بنيتي، ماذا جرى؟ مزقت كبدي، أرجوك، تكلمي..
- لقد عاد يا جدتي، لقد عاد وتبنى، عاد وكأن شيئا لم يكن...
- قرأتها البارحة في طالعك، عقدة وانحلت، كنت على علم بذلك
- هناك مشكل آخر يا جدتي، بدأ يؤرقني منذ رأيته بالأمس وهربت.
- ما هو؟ مهما كان فهو ولا شك أهون يا حبيبتي مما كنت فيه
- أنا حتى الآن لا أعرف إن كان من في بطني إبنه أم إبن القاضي
- مجنونة أنت !! هيا كفى ! لا تحاولي ! إذا لم يكن إبنه فقد ورد منه، ما هذه السخافة، ملاك أنت أم نبي؟ !!
- أخفي جريمة بجريمة أخرى؟ سأتعذب، أدعوه لغير أبيه؟
- أهون مما أنت فيه، يا بنيتي سكوتك عن هذا هو خلاصك الوحيد والأخير، لا تعقدي الأمر أرجوك.. هذا كلام ألغيه نهائيا.. متى نزغرد لك؟
- أمهليني، لابد وراء الرجل أشياء، وبعد أن أعرفها نقرر، لا تستعجلي... لقد جاء متغيرا تماما، وهذا أمر حيرني كثيرا.. غريب أمر هذا الرجل..
- المهم أنك الآن في قارب النجاة، تصرفي بروية للوصول إلى البر بسلام
- سأفعل.. سأفعل.. في كل الأحوال مادامه قد عاد، لن أدفع الثمن وحدي أبدا.. دعيني أفكر... لن أغفرها لهما...
- هكذا أريدك، كوني حذرة فقط... ماذا ستفعل لبؤتي الآن؟
- سأتصرف لا تخشي علي، الآن اتضح الطريق، إني أرى الأفق صافيا..
إنبسط وجه الجدة، وأحست براحة بال فقدتها منذ مدة، تنظر إلى حفيدتها بعين الرغبة وهي تتحول من قطة وديعة إلى لبؤة شرسة كشّرت عن أنيابها، وأظهرت مخالبها، تستعد لدخول المعركة بكل قوة، رجوع الخصم بهذه التكتيكية جعلها تأخذ الحيطة والحذر في كل تحركاتها، وهي كذلك حتى رن الهاتف... إنه هو..
- مرحبا.. بخير.. أحسن بكثير.. الآن؟ غير ممكن، اتركها ليوم الغد، عندي فيه متسع من الوقت، نستطيع أن نتحدث وبالتفصيل.. إلى الغد في النادي
لقد بدأت المعركة، هي التي حسمت الزمن والمكان... والإستعدادات متواصلة... وبدأت تصلني و أنا في بطنها لأول مرة موجات جديدة تزرع في ذاتي الصغيرة بذور الأمل ، وتنفخ فيها الحياة، تطارد اليأس وتصنع الطموح. في تلك الليلة نامت أمي نوما عميقا، فأزهر حولي كل شيء، كأني يرقة فراشة بدأت تخرج إلى الوجود، أشياء جميلة كانت تمر من هنا تصنع البسمة في كل فسحة تتجدد، أشياء كالأحلام تضاهي الحقيقة، إنها أول تنفس الصعداء ، أتقلب فرحا وهي نائمة، نظرت إلى نفسي فوجدتني نسخة طبق الأصل لها، حتى الشامة التي في ساقها كانت في ساقي، فقط فمي لا يشبه فمها، فمي أوسع وبشفاه أخصب، هذا الشعور جعلني أتأكد من تراجعها عن تصفيتي، فقط لأنها أمنت على نفسها، وأصبح همها الوحيد ذلك الرجل الذي أرادت له أن يكون أبي، كان علي أن أستعد لأقاوم وحدي تجاوزاتها في كل شيء ، وتهاونها حد التهور في بعض الأحيان، لأنني سأكون الورقة التي تلعب بها، ولا يهمها بعد ذلك في أي يد أكون، حتى لو أكون في يد الشيطان...
قامت باكرا، جهزت الحمام، كانت تدندن، تخرج النغمات من أنفها كأنها لمسات على آلة موسيقية لألين وأعذب الألحان، وجلست أمام المرآة، تستظهر بكل جرأة مفاتنها، تتابع مياسم الجمال على وجهها، رسام أفرغ كل عبقريته وإبداعه في استلهام وجه ملائكي من نور يتحدى الرغبة في كل العيون، لبست أجمل فستان تجانس مع لون وتسريحة شعرها، تعطرت، رتبت أشياءها في سفطها وخرجت، كان الجو جميلا، والشارع جميلا، ونسمة الصباح منعشة، تنفست في الكون كل الأشياء الجميلة، واختفى ذلك السواد الذي كان يرخي سدوله على الدنيا كل صباح، فضلت أن تقطع المسافة راجلة، فكانت محط أنظار الجميع، وهي تتصنع الغنج، رائحة عطرها الباريسي تغمر كل الشارع، ونقرات كعبها توقظ القلوب النائمة... كان واقفا أمام النادي، إستقبلها يبتسم، أخذها من يدها ينظر إليها كأنه في أول لقاء، تنهد وقال:
- كم أنت جميلة، بالأمس خشيت أن أكون قد ضيعت فيك جمالك، فإذا بك اليوم أجمل.. هيا لقد حجزت مكانا رومانسيا ولا أروع، تفضلي...
لا يزال يبهرها بلياقته ولباقته، وجمال حركاته، جنتلمن بجدارة، كالأريستوقراطي، دخل هو الأول وتبعته، كان المكان ركنا ساحرا، النادي حولوه محطة سياحية ست نجوم، بست أجنحة وحديقة. حتى الآن لا يزال يبهرها، كأنه يمهد في نفسها مكانا لحقيقة مؤلمة تتطلب استعدادات أسطورية، فزاد ذلك في قلقها حد التوتر والإرتباك، وأحست بالضعف أمام استكانته وتلطفه وليونته، يكلمها بأرقى العبارات وأطيب الكلمات، وغالب ذوقه ميزاجها فغلبه، وبدأت حساباتها تنهار كجدران من رمل أمام خطاب العيون، وتمنت أن يتواصل السكوت حتى لا يفسد عليها متعة كانت تحلم بها منذ زمن بعيد، فتحت وتركته يبحر بأمان في ذاتها ويبلسم الجراح التي صنعت بؤسها، وشقاءها، وجراح أيام الجحود... ما كانت تظن أن هذا الطود يتحول يوما إلى كومة، فيها من الدفء ولين الطرف ما يغمر كل المواطن التي كانت تعاني من قحط المودة وغربة الذات... تنظر إلى الإيحات تتزاحم في عينيه، وترسم أحاسيسها على ثغره، تظهر حتى تكاد تنطقه ثم تختفي وتترك للتردد فراغاتها... وتبقى البداية دائما فرسا شموسا، يصعب ترويضها وامتطاء صهوتها، والكلمة الأولى هي المفتاح السحري الذي يفتح مكامن المقاصد أو يغلقها، والصمت باب لا يعلم أحد ما وراءه، وفي أغلب الأحيان يصنع القدر خلفه أكبر المواجع، وهو لا يريد أن يضيع هذه الفرصة، التي كان يراها فرصة العمر، وتلقت الأجساد حقن المشاعر التي طفت تغازل وجدانا عانى كثيرا من قحط الحنو،

...يتبع...

وهج الروح 03-04-2013 02:19 AM

ليتك كملت يا مختار ابي اعرف الاحداث بسرعة

جزء جميل بين ضعف امراة وقوة اختيارها لتبحث عن قناع ترتديه

وتخفي حقيقة ابنتها هي لمن ...... وصفك دقيق وردوي عليك لم تكن

مجاملة ....... اسلوبك مميز جدا اتمنى ان ارى الجميع يمرون هنا شكرا

مختار تابع وانا بالقرب سنتظر ما تبقى من احداث

مختار أحمد سعيدي 04-04-2013 02:12 AM

[quote=وهج الروح;185285]ليتك كملت يا مختار ابي اعرف الاحداث بسرعة

جزء جميل بين ضعف امراة وقوة اختيارها لتبحث عن قناع ترتديه

وتخفي حقيقة ابنتها هي لمن ...... وصفك دقيق وردوي عليك لم تكن

مجاملة ....... اسلوبك مميز جدا اتمنى ان ارى الجميع يمرون هنا شكرا

مختار تابع وانا بالقرب سنتظر ما تبقى من احداث[/quote
..................................

وهج الروح...أيتها الفاضلة.
دائما في الموعد ، أهديك أخوتي و مودتي ، و أشكرك على هذا الحضور و المتابعة و الكلمات الطيبة. يا رفيقتي في هذا الدرب ، أبقي بالجنب.
تحياتي و تقديري .
أخوك مختار سعيدي


مختار أحمد سعيدي 04-04-2013 02:13 AM

، وحرر الظن الجميل ما جبلت عليه النفوس، ومسكت اليد باليد وبدأ العد..
- ما الذي أخرك إلى اليوم؟
سؤال زلزل كيانه، وأيقظ في نفسه تلك الأسطورة التي صنعها اللقاء وزينها الأمل يوما...
- هل كانت أجمل مني؟
استوى على كرسيه، وأدار وجهه، ينظر إلى حوض فيه سمكة
- نعم جميلة جدا، خلقا وخلقا، كانت تسبح في ذاتي التي وسعتها، كانت ملأ العين والبصر...
يستعيد جمال الماضي الذي أهل في ليلة من تلك الليالي الجميلة، وجعلته بدرا أضاء كون حياته زمنا، وشاء القدر أن تنحني الأيام لتصنع منه عرجونا قديما، كما بدأ عاد إلى الأفول، هكذا تعلم الصمت، و الصمت أحيانا سلاح العاجزين... شبك أصابعه، إنحنى إلى الأمام وقال:
- أتعبني ذلك الشارع المحفوف بأشجار الصفصاف، الذي كان يربطني بالمركز الطبي للمرض الخبيث، كانت تفنى أمامي، وبسمتها تتحدى جبروت الأيام وألم السنين، تستسمحني نظراتها، وتستعطفني نبراتها، وهي ترسم على وجهها لمسات الغروب بالصبر الجميل، يستأذنني فيها كل شيء وهي تحتضر، أخذت يدها، دعوت، توسلت، صرخت، بكيت، وكان القضاء أقسى فرحلت، وبقيت إبتسامتها، حركاتها، لمساتها، بل حتى قهقهتها تتجلى فيك، كنت أنت ممن خلق الله من شبهها أربعين... يوم التقيت بك كانت تعيش هي المرحلة الأخيرة، وكان قد حكم عليها القضاء بالفناء، كنت أنت صورتها وأنا معاناتها، أنت ضحكتها وأنا دموعها، أنت كلامها وأنا صمتها، أنت فرحتها وأنا حزنها، أنت حضورها وأنا غيابها، كنت ألقاك دائما في حالة سكر حتى لا أشعر بمخالب الجحود و هي تمزقني، وكان الصمت سلاحي الوحيد، أحارب به دوافع البوح الجميل الذي أختزنه لك لينصهر أكثر بنار الصدق والوفاء، ألقاك دائما لأنك الوجه الآخر الذي وشمه الوفاء في نفسي، كأنك هي، الشيء الوحيد الذي أفتخر به حتى الآن هو أنني حافظت على صدق مودتي لك، لأن فيك وجدت الإمتداد الذي بدونه لن تواصل الحياة في نفسي مسيرتها، وبدونك يتعطل الكون كله في ذاتي، فقط لا تستغربي إن قلت لك أني أحببتك لأنك أنت... لقد سلبني الموت أشياء كثيرة، ولا أظن أن الحياة تسلبك مني يوما ، فأخسر كل شيء... وليس لي إلا الوفاء، ليس لي إلا ذاك... لأنه سبب وجود كل الأشياء الجميلة في هذا العالم .
لما نظر إليها وجدها تخنق الدمع في عينيها، والعجب يكسوها، أما في عينيه كان بصيص أمل ينتظر أن يؤذن له بالبزوغ... سكت ولا تزال كلماته تتردد في عمقها، يرد السؤال صدى الجواب، وينزل الصدق في مقاماته التي كانت تسكنها الحيرة والشكوك، وامتلأت فراغات الظنون باليقين وسكن كل شيء في الذات ....
- هل أحببت رجلا قبلي؟
- ماكانت هذه القلوب لتبقى فارغة، فقط ليس مثلك
- يقال أن قلب المرأة أضيق من قلب الرجل
- لأنه لا يتسع لأكثر من رجل واحد، وهذا سبب شقائها
- أراك أخلص مني
- الإخلاص غاية قبل أن يكون وسيلة
- متى ندركها؟
- عند اللارجوع
- حتى بعد الموت؟
لتبدأ الحياة من جديد، لأن الإخلاص لا يموت، بل تصهره التجارب وتجدده.
قام فوقفت، أخذها من يدها، وضع ذراعه على كتفيها وخرجا.. لقد تنفس في حياتهما صبح جديد... ليتواصل سر الوجود في رجل وامرأة... وهل الكون إلا الرجل والمرأة؟...
تحركت أنا يمينا، تحركت شمالا... وشعرت بالغربة في هذا القبو الضيق والمظلم، وانشغلت أمي بأبي حتى نسيت أنني موجود، همها الوحيد إرضاؤه، تحرص كل الحرص على أن لا تضيع أي لحظة من هذه اللحظات الجميلة التي استعادت فيها كينونتها وكيانها بعودته، تتجاوب معه في كل شيء، وسكنني هاجس الفضول لمعرفة منزلتي منهما، إلا أن اهتمامهما ببعضهما حال دون كل حيلي، فخسئت، وكرهت هذا الرجل الذي وضعني على الهامش، كانت خطى أمي المتسارعة تقرع في رأسي كأنها ضربات المطارق، آلمتني نقرات كعبها واهتزاز بطنها، وتمنيت أن يصيبني مكروه لما عرفت أنني نتيجة تركيبة بيولوجية مجردة جاءت تلقائيا، وأن حياتي كانت مرهونة بأنانيتها وعزة نفسها، ومقابلها أنا لا أساوي شيئا... فكرهتها أكثر فأكثر، وازداد كرهي للحياة...
واستطاعت أمي أن تستعيد توازنها ومنزلتها وثقتها بنفسها، يحافظون عليها كشربة ماء بين يدي ملهوف، وهي تنتظر بفارغ الصبر أن تتخلص مني، ضاقت بي ولا تزال تلعن الساعة التي حملت بي فيها، تتفقد جسدها وتتابعه يوما بيوم، بالكريمات والمراهم، لا يمر عليها أسبوع لا تزور فيه الطبيب، تلعنني في كل حركة وفي كل سكون... تخفي ضيقها بي بقولها لا تحب الأولاد، كانت تتمنى لو كنت بنتا، كلما يراها القاضي يبتسم، فكانت ابتسامته تحطم كبرياءها، وتبتذل زوجها في نظرها، فيزيد كرهها لي، حتى بدأت تفكر في الإجهاض، وقامت بمحاولة ولكن شاء القدر أن أنجو من محاولة اغتيالها، و شعرت بأنها سببت لي خللا ما، لم أتبينه في حينه، وعندما يدخن أبي أشعر أنني أختنق، ثم أدمنت على تلك الرائحة، أنتظرها كل مساء، لم تحترم الحمية التي نصحها بها الطبيب، أسأل نفسي لماذا هذا التهاون والإهمال الذي يمكن أن يؤدي إلى هلاكي وهلاكها، ولم أدرك سر ذلك الشيء الذي تعلمته معها هو أنها لا تتصرف أبدا من فراغ، بقدر ما كان أبي متحمسا لي بقدر ما كانت هي تنبذني، أحيانا أشعر بها تنظر إلى بطنها وتحدث نفسها، بكلام غريب... عتاب، ندم، حسرة... حتى تكاد تمقت نفسها وتنبذها، رغم كل ذلك لما أشعر بها تبكي، أحن عليها وأشفق عليها خشية أن أكون أنا السبب، تمنيت أن أدرك هذه الحقيقة قبل خروجي، ولكن ماسمعتها أسرت بها لأحد.. إنها تتعذب، خاصة وهي في حضن أبي، بين يديه كالعبد بين يدي سيده، بل أذل.
كان بيت الزوجية موحشا، يسكنه الصمت ومجرد من الدفء، فعادت إلى بيت أبيها إلى حين وضعها، تلازمها الجدة كالظل، بل أكثر من ذلك كالبوديجارد، سعدت كثيرا العجوز لما علمت أن حفيدتها ستأخذها لتعيش معها ما بقي لها من العمر في عزة وكرامة، ردا لشيء يسير من الجميل، وجعلتها تحس أكثر فأكثر بضرورة وجودها، وأنها لا تستطيع أن تستغني عنها...
يأتي إليها كل صباح، يأخذها إلى العمل، كأنهما طفلين في طريقهما إلى المدرسة، يحتويها بسعة مرحه وبسط بسمته وحديثه الممتع، ملأ كل الفراغات، وفي المساء لا تدخل إلى البيت حتى تجوب معه كل الشوارع والأماكن الجميلة التي ترعرع فيها حبهما، حيث تنتعش الذكريات .تروّح عن نفسها وتبلسم وخزات الماضي، نادرا ما تتعشى في البيت، كان يعجبها كثيرا مطعم العم قدور، ذلك الرجل القصير والعريض، المشمر دائما عن ساعديه، بمئزره الأبيض تضاهيه بشرته النظيفة، على رأسه الأصلع والغليظ قبعة بيضاء، أمهر طاه للأطباق العربية الأعرابية التقليدية، قدوره على الحطب والفحم، لكل نغمته وإيقاعه، تجرك رائحة الطعام جوعا لا يقاومه أحد، قاعة الأكل جناح من الطراز العربي الصحراوي الأصيل، والجناح الآخر على الطراز القبائلي الجميل
...يتبع....

مختار أحمد سعيدي 05-04-2013 08:20 PM

الماء في القرب، و الوجبات تقدم في أواني تقليدية جميلة جدا، لكل أكلة آنيتها، كأنك في متحف نفخ في التاريخ الحياة من جديد، مكان يتردد عليه السواح كثيرا، لا تزال جدتها تذكر ذلك اليوم الذي أتت بها هنا، وتناولت معهما غذاءا أعرابيا، في جو كاد يبكيها سعادة، تقول لها دائما مازحة، جدتي أكلت بعينيها أطيب ما تشتهي في عمي قدور، تعني الرجل، فتقول لها.. أسكتي، أسكتي يا شيطانة، يا خبيثة، وتضحك بكل ملامحها، فتقول.. والله يا جدة، أنت أجمل منه ولا نقبل به لك ولو بحمل ذهب.. فتضحك الجدة حد الغرور...
تمتزج فيها الكآبة بالدعابة فتتصرف أحيانا بعدوانية الطفل المشاغب، فيتوقف عن مجاراتها، وتردها وخزات صمته المفاجئ ، وزخات نظرته إلى اللهو ببراءة من جديد، تستسمحه وتحولها مزاحا... عندما تختلي بنفسها في غرفتها، أشعر أنها متضايقة مني حد الضجر ، وأني ذلك الحمل الذي يثقلها ويزعجها ويحرمها من التمتع بأجمل أيام عمرها، وأنها نادمة على الحمل بي حد الإختناق...
ليتها تسمعني، وتنصت إلي كصوت حق ينبعث من عمق أحشائها، وتعرف أنني تلك الحلقة التي تصنع التواصل لوجودها.. يا ليتها تنصت إلى نداء الإستمرارية الذي يؤسس للمستقبل، وأن مثلي بين يديها مسير لا مخير.. يا ليتها تسمع إلى مناجاة أسرار الكون التي قذفتني في رحمها لأكون ذلك الذي تريده هي...،هي التي همها الوحيد تفريغي لأنني الخطأ، تسقيني مرارة سواد باطنها المدلهم أقداحا، وشهد نهار ظاهرها لغيري كؤوسا بيضاء لذة للشاربين، تسقيني أجاج عبراتها ليلا، وزلل عباراتها تتدفق لغيري أنهارا، لا أستريح منها إلا عندما تنتشي بالثناء والمجاملات، وتنساني، أتوقف عن الحركة أحيانا حتى تشك أنني مت، فتفزع إلى الطبيب فيطمئنها، ولما أتحرك تتأوه وتلعنني، أحمل الكثير من آثار صدماتها وتهور نزواتها، وشر غضبها وفواجعها، يأسها، إحباطها، تشاؤمها، عصبيتها، أخشى أن أكون يوما صورة لباطن هذا البركان الذي لا يطلع عليه غيري، وسأخرج ثائرا أصرخ، أمزق سكون النفاق واغتيال الحقائق، سيضحكون وسأبكيهم يوما ما، لأني مركب من بؤس أمي وانهزامها وإحباطها، ومقتها لنفسها، وكل الأشياء التي علقت بداخلها، أشياء لا زلت أذخرها... أنا وحدي في هذا العالم المظلم الذي لا يفهمني فيه أحد ولا يسمعني أحد، ولهذا سأصرخ عند خروجي احتجاجا على صمتهم وإهمالهم، سأرهقهم صعودا ونزولا، ربما أنتقم لها ولم لا، تلك هي عدالتهم ونظام حياتهم، ، أو أنتقم منها، إني أشعر أن هذه الخلايا تتغذى من دم فاسد، وتتنفس العفن الصعداء، وتجتر شيئا فظيعا لم تخلق لأجله... بدأت أفكر وتأكدت أنني موجود، وأن الحياة غير ما كانت عليه الروح، وبدأ في ذاتي صراع بين قوتين تجذبني كل واحدة لأكون منها، تكافأت لهما الفرص في داخلي، وتفاوتت خارج أمي ، وضاع الإعتدال بين التناقضات التي تصنعها أمي، فاستسلمت للتيار القوي يجرفني إلى خارج هذا القبو الذي ضاق بي وضقت به، وأنا في هذا الجدال، كانت أمي تتناول مع أبي مبردات على حسابها، لم أكن أعرف أن هذه النقود هي التي تتحول إلى دم تقوده حيثما تريد، حتى قالتها أمي لأبي في صيغة المتعجب، حاولت أن أتصور العملية، كانت رهيبة جدا بمفعولها، من هنا فهمت كيف يكون المخلوق مسيرا، أردت أن أصرخ لأكون أنا، ولكن يا حسرتي، من يسمعني في هرج الغوايات التي تسكن أمي، فسكتت وقال لها أبي.
فكيف بأموالي أنا التي أكتسبها من أجمل وأفخر حانة ورثتها من أبي .
ضحكت وقالت:
- أخشى أن يخرج إبنك من فمي.
- إذا خرج من فمك نبرره بحصائد لسانك، و إذا ثمل سيضيع و يستدعي عملية قيصرية،
- في كل الحالات، أنا التي ستدفع الثمن
- إنها سنة الحياة، لا تخشي شيئا، سأكون بجانبك، أرجوك لا تزرعي القلق في ذاتي، الذي يهمني الآن هو أنت.
- لو أجهضته هل كنت ستحبيني؟
- ولم لا؟ !.. ليس لي سواك، ولن يعوضك أحد، أما هو فإلى الجحيم إذا استدعى الأمر نجاتك بثمنه
أخذت يده، قبلتها ،وظهرت لمسات التأثر على وجهها، وصلني هذا التفاعل كهبوب نسمات الصقيع، فتقوقعت وشعرت لأول مرة بدافع بكاء البؤس والحزن والأسى... وهما كذلك حتى رن جرس التلفون ففتحت..
- نعم..مساء الخير...
- متى؟ يا الله !.. مات جدي بسكتة قلبية
- متى؟
- الآن...هذا أبي كلمني، هيا بنا.. خمس وثمانون سنة فيها بركة.. نذهب إلى البيت وغدا نذهب لحضور الجنازة.
كان البيت خاليا إلا من الفيلسوف ، تركوه حارسا. إمتعض لما رآهما وظهر عليه نوع من الإرتباك...
- أنتما لا تعزيان ولا تحضران الجنازة، أم هي المواقف خالية من المصلحة؟..
لم ترد عليه، وجرت زوجها من يده إلى غرفتها وأغلقت الباب....
كانت هذه الليلة هي أطول ليلة في عمر الفيلسوف، كل الإحتمالات التي أخذ بها كانت واهية، ودخله الشك وبدأت الغيرة تمزقه، شرب نصف زجاجة خمره ، وصعد السلم يترنح، دق عليها الباب، ففتحت بسرعة، أدخلته، كانت في ثياب النوم، أجلسته فوق سريرها، تحاول أن تسكته حتى لا يحدث فوضى توقظ الأطفال، ولما احتضنته ليهدأ، دخل أولادها، وتيقن الظن، وقفوا جميعا أمام هذا المشهد الذي خلد الخيانة في ذاكرتهم إلى الأبد، وقفوا ظنا أنه أبوهم، فإذا به إ بن عمهم في سرير أمهم، وسجلوا بحضورهم هذا ، شهادة ميلاد الكابوس الذي سيطارد أمهم ليلا ونهارا، وأصبحت من تلك اللحظة تحت شفرة فلطة لسان... قامت، أخرجتهم بعصبية، أعادتهم إلى غرفتهم،توعدتهم ، ثم عادت إليه واستطاعت بصعوبة أن تقنعه بالعودة إلى غرفته ،واعدته بأشد الإيمان أنها ستلحق به فور نوم الأطفال، و قبل أن يخرج قدمت له شرابا وضعت فيه نفس المنوم الذي وضعته لعمه في اليلة التي ذهبت عنده، أنزلته إلى أسفل السلم، ولما رأته دخل إلى غرفته صعدت. ألقى بنفسه فوق سريره حتى طلعت عليه الشمس، فوجد نفسه كمدمن بات على قارعة الطريق، يستعيد بصعوبة ما فعل البارحة، خرج فوجد باب السلم مغلقا، لقد خرجت إلى عملها، الجنازة لا تعنيها، هو يعرف ذلك، فعاد إلى غرفة الحمام، غسل وجهه ، رمى غرفتين فوق رأسه، وأخذ المنشفة يفرك شعره ووجهه بقوة، لا يزال في حالة غليان، عرج على المطبخ، لا أحد ولا شيء، عاد إلى غرفته لبس بذلته وخرج...
ومرت مراسيم الجنازة في هيبة ووقار، وتوافد الناس إلى بيت العزاء، وفي المقبرة بعد الدفن تقدم أحد الأعيان وخطب في الناس خطبة لتوديع عالم جليل، ومجاهد كبير ، كان المجد الذي صنعه الخطيب من رمل، وبمجرد التسليم، إندثر وأذرته الرياح...
وبدأ كلام الجد في تقسيم التركة، و كان الفيلسوف هو آخر من وصل ، و أول من أثار هذا الجدل في المقبرة ، لما عادوا إلى اليبت كانت أشياء كثيرة قد اختفت، وكادت تكون الحالقة لولا حضور أهل القرية والضيوف المعزين، وقبل ثلاثة أيام تفرق الجميع، كل الى بيته ليجمع كيده ثم يعود، وفرح الأطفال الذين كان يجلدهم المرحوم في الكتاب.
لما عادوا كانت الأم تستعد للخروج، دخلت عليها الأرملة، هكذا يلقبها الجميع نكالا، وقالت:
- نسيت أن أسألك، هل تعلمي أن ابنتك حامل؟
- حامل تقولين؟ !... غير صحيح !!
- وأبشرك، إنه ولد.. هكذا قال الطبيب
- أنا جدة ؟؟؟... أبدا إلا هذه... السخيفة، الساذجة، أعرابية... لماذا أخفيتم عني الخبر؟
- إسألي الجدة، أظن أنها على علم بكل التفاصيل... إنه ثمرة الخطوبة... أنت يا أمي مثل الحية، لا تحفري جحرا ولا تبيتي في العراء، لو كنت مكان زوجك لتزوجت امرأة أخرى وأنت آخر من يسمع
- يتزوج؟... يحطم سمعتي ويهين كبريائي؟... إلا هذه.. اطمئني لن يفعلها حتى لوكان حظه في الميراث مال قارون، لقد روضته مثل بغل الأعرابي، أنت لا تعرفي أمك.
- هو سعيد جدا بهذا الحمل، ينتظر أن يكون جدا على أحر من الجمر.
- وقح... سينتهي في دار العجزة قبل الأوان، إنها لعنتك لاتزال تطارده... لو لم أكن حاضرة لقتلك ليلة زفافك...الأعراب لا يهمهم في المرأة إلا أسفل الحزام، تم شرفهم وعزتهم ورجولتهم... أغبياء
- أرجوك يا أمي ساعته نحس، لا أحب أن أسمع عنه أكثر.
فتح الباب، وقف في العتبة وقال:
- جلسة مغلقة؟
نظرت، ابتسمت وقالت:
- آه، تذكرت أنك نشأت في الخيمة، لا باب، ولا بواب، ولا آداب.. يا رجل حديث نساء لا شأن للرجال فيه، مجرد تفاهات كما تقول أنت، كيف حالك اليوم، هل تناولت الدواء؟ رأيتك قبل الأمس مرهقا...
خرجت الأرملة، وجلس هو على الأريكة بعد إذنها، وتنهد وقال:
- بدأ يقلقني هذا المرض، لا يزال يتطور من يوم إلى يوم
- لأنك لا تقاوم الحلويات، حتى الأنسولين لن يفلح فيك يوما
- بالعكس بدأت أشعر أني بدأت أفقد الشهية
- إذا زرت الطبيب وأعادها لك، أرجوك لا تعود من هذا الطريق لأننا سنرحل
ضحكت، وضحك حتى بانت نواجده، وضع رجلا على رجل، نظر إليها وقال:
- لم تتغيري كثيرا، لا زلت جميلة... اقتربي.. تعالي..
نظرت إليه، أشاحت بوجهها وقالت:
- وأنت خرفت يا رجل، عندما شاب علق عليه حجاب.. قم.. قم.. أنا معزومة الليلة على العشاء، سأدخل متأخرة إذا طابت الجلسة، لقد تأخرت.. هيا..هيا
- كم أتمنى أن نتعشى سويا، ونسهر ونعود متأخرين... مثلما كنا زمان
- بشرط، نشرب، وندخن ونرقص،.. هل تقدر
هز رأسه نافيا واغرورقت عيناه
- أنت لا تقدر حتى على الوقوف نصف ساعة وتريد... مسكين... غدا نتعشى سويا هنا في الحديقة، نشرب لبن وأرقص لك وحدك... هيا... هيا أذهب لترتاح قليلا، أراك حزينا لموت أبيك ومرهقا من السهر.
حملت سفطها، داعبت خصلات شعره، خرجت وتركته جالسا يجتر الماضي الذي لا يزال يعيش عليه، أخذ السكون بمجامعه الصاخبة، تنحره الغصة تلوى الغصة على ما فات من العمر ولا يعود، والغرفة ترد صدى رقة نبرتها الفرنسية، مرت بخلده أبيات للشاعر الفرنسي لافوتان، ابتسم من سذاجته وقام...
كان وهيج عطرها الباريسي يغمر الرواق حد الإنتشاء، تمنى لو كان معها ليفعل أشياء كثيرة كان يفعلها في شبابه وقبل مرضه، رأى أيامه تذبل أمام عينيه، وعجز حتى على أنعاشها في نفسه بالكلام، يتساءل هل فقد مبررات الحياة الزوجية إلى هذا الحد ، وهو الآن عالة على امرأة اشتعلت كهولتها بالحيوية والنشاط و حب الحياة ؟ !
عاد إلى الصالون وجلس ينتظر العشاء... يستعيد ببطء كلامها ويجتر، أيقظت فيه بعض الكلمات والحركات شيء من الفضول حد اهتزاز الثقة، هذه الزوجة التي كان يراها متحضرة ومندمجة ومثقفة، تترفع عن الدنايا، يزينها الوفاء والإخلاص، أصبحت في نظره مهددة ويجب عليه حمايتها، وبدأ يفكر في الأمر بجد... وظهر له أول شق في جدار المودة الذي كان يراه متينا، يتحسس المواضع التي يمكن أن تأثر فيها الضربات التي تأتي من الخارج، يجب أن يرمم أي تصدع يظهر حتى لا ينهار كل شيء وتتفكك الأسرة.
جاءت إبنته تمشي كالبطة المثقلة، بطنها إلى فمها، كأنها تحمل توأم، جلست بجانبه وابتسمت فقال لها:
- قومي واجلسي أمامي، هنا على الأريكة، الذي تحبه إجلس أمامه والذي تصحبه إجلس بجانبه، والحديث بدون معنى كالطعام بدون ملح...
انتقلت، استوت وقالت:
- كيف حالك؟
- أغور شيئا فشيئا
- لا بأس عليك
- وأنت كيف حالك؟
- حال الحامل يا روحي
- بدأ هذا العام الخريف باردا، فحافظي على نفسك يا بنيتي، أتمنى أن يطول عمري حتى أكون جدا، سأعجبك ، سترين
- لماذا تقول هذا الكلام؟، أنت لا تزال كهلا ولولا السكري لزوجتك بأربع جميلات
ضحكت وضحك حد القهقهة وقال:
- إلا هذه، ستموت أمك بالغيرة علي، تصوري إنها متعلقة بي كالرضيع بأمه، إنها تحبني كثيرا، تحدت والدها وتزوجتني...
وبدأ يثني عليها في الخلق والخلق وابنته تنظر إليه بعين الشفقة والرحمة لدرجة أنه أحس أنها تعرف أنه يبالغ ويزايد، فبدأ يبرر بعض تصرفاتها بتقصيره معها، وخنقته الحسرة فسكت.
- لا عليك يا أبي أعرف أنك تحبها كثيرا وهذا من حقك ومن حسن حظها، أمي امرأة متحررة، تتحرك كثيرا، خيبتها ليست فيك وإنما سببها المرض، لا تستطيع أن تجاريها، ولا تخشى عليها، إنها قوية جدا وتملأ الفراغ كله..
- أعرف ذلك، أنت الوجه الآخر الذي كانت عليه لما التقيتها، بزيادة مفرطة في الغنج.. تعرفت عليها في المستشفى، دخلت إثر حادث مرور لبعض الإسعافات الأولية، وكانت تتكلم فرنسي كثيرا، كنت الوحيد الذي تجاوب معها، فربطت علاقتي بها ببعض الكتب والروايات الكلاسيكية في الأدب الفرنسي، كنت أحسن الفرنسية أفضل منها، أبهرتها فتعلقت بي، كنا نقلد الفرنسيين في كل شيء حتى نظهر أمام الجميع قي قمة التحضر، هي واصلت بصفتها مدرسة وأنا تراجعت قليلا بحكم مهنتي والمحيط الذي أعمل فيه، أغلبية المرضى من الأحياء الشعبية والأعراب حيث كانت تكثر الأوبئة في مختلف المواسم
...يتبع....

وهج الروح 06-04-2013 02:58 PM

خوي مختار المتبقي من الاحداث متوقعة

ولكن. اسلوبك شقي في انتظار الاحداث

بفراغ الصبر شكرا ع تواجدك وحرصك في

اتمام الرواية ساكون بالقرب شكر لك

مختار أحمد سعيدي 06-04-2013 03:55 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة وهج الروح (المشاركة 185642)
خوي مختار المتبقي من الاحداث متوقعة

ولكن. اسلوبك شقي في انتظار الاحداث

بفراغ الصبر شكرا ع تواجدك وحرصك في

اتمام الرواية ساكون بالقرب شكر لك

................................

وهج الروح ...أيتها القديرة
أشكرك على حضورك المتواصل ، و لكن لا زلت في توريط الشخوص ، و متأكد أن الكثير من القراء سيتفاجيء عندما أبدأ في فك العقد التي نسجتها ...
تحياتي و تقديري و شكري .



عائشة السعيدي 08-04-2013 10:48 PM

صح اني سجلت في المتدى متاخرة لكني اعجبتني القصة كثيرا , كلماتها واحساسك اتمنى منك المزيد

مختار أحمد سعيدي 09-04-2013 01:44 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة [size="5"
عائشة

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة [size="5"
السعيدي;185926]صح اني سجلت في المتدى متاخرة لكني اعجبتني القصة كثيرا , كلماتها واحساسك اتمنى منك المزيد

.....................................

عائشة السعيدي...أيتها الغالية.
مرحبا بك أختي الغالية شريكتي في الإسم و الحرف و الكلمة.
أتمنى أن لا أخذلك .
لك كل الشكر
تحياتي و تقديري

[/size]

مختار أحمد سعيدي 17-04-2013 04:10 PM

ماكان الناس يميزون بيني وبين الطبيب لأناقتي ولياقتي واهتمامي بنفسي، كانت هي جميلة ومدللة من طبقة النبلاء، شعلة طموح وأمل، مرحة بامتياز، تتكلم كثيرا وتضحك كثيرا، لا تزال براءة قهقهتها تتردد في ذاكرتي، كنت أنظر إليها فرنسية أبا عن جد، كانت من النماذج النادرة في مستوى التحضر الراقي.
لما كنا نحن نسكن في المزرعة، أخذتها يوما هناك، فسلبها جمال الطبيعة وسحرها، وأبهرتها العادات والتقاليد، ولولا أني أعرف قبيلتها لقلت أنها فرنسية وتجنست، أعجبت أمي كثيرا فتزوجتها، كانت تذكر أمي دائما بنساء وبنات المعمرين الفرنسيين والإسبان، تزوجتني رغم معارضة والديها، وأقمنا عندهم رغما عنهما، حتى أنهت دراستها، استأجرنا شقة في عمارة، ثم انتقلنا إلى هنا بعد أن انتهت الأشغال.. صمم هذا البيت حسب ذوقها، وكأنها كانت تقرأ المستقبل في حفر الأساس، لا يزال حتى الآن يتسع للجميع، أنظري هكذا البيوت في فرنسا، تدخلي مباشرة إلى الصالون، على الجهة اليمنى قاعة الأكل وبعدها المطبخ ثم الساحة، على الجهة اليسرى رواق غرف النوم، بعضها يطل على الصالون والبعض الآخر في الرواق الذي يؤدي إلى سلم الطابق العلوي حيث المخرج الثاني إلى الشارع الخلفي، كان يظهر لي واسعا وكبيرا جدا، كل هذه الأثاث التي زيناه بها فرنسية، ومن باريس، هذه المدينة التي عشقتها أمك حد الهوس، تعيشها هنا، أمك من الذين يؤمنون أن الجزائر هي امتداد لفرنسا تحت البحر، هذا تمثال جان دارك آخر ما جاءت به من هناك، و هذا قرن بايار. في أول زيارتها لباريس، إشترت هذه اللوحة الجميلة للثورة الفرنسية التي حررت كل أوروبا ومعها العالم... الطابق العلوي شيء آخر، الغرف كأنها زنزانات لا تدخلها الشمس في فصل الشتاء أبدا، بناه جدك لعمك، ووثائق البيت كلها باسمه، لقد ساهم في البناء بأكثر من ثمانين بالمائة، ساعدنا كثيرا، حفاظا على كرامتنا وعلى سمعة العائلة، وسيولد فيه أول حفيد.. تلك أشياء كلها جميلة، أراها تمر في ذاكرتي مر البواسق البيضاء في أفق سماء كانت صافية زرقاء... أحيانا أشعر وكأنني أعيش من أجلها و بها فقط. هنا مسقط رؤوسكم جميعا، هنا ترعرعتم، لا تزال ضحكاتكم تملأ فضاء ذاكرتي المتعبة، وبكاؤكم يمزق من حين إلى حين سكون المكان، أنت فقط كنت عند جدتك، ربتهم الخادمة وحشية، وتبين لنا في الأخير أنها إسم على مسمى، كانت أخبث مخلوق عرفه تاريخ الخادمات، ولولا فطنتي لحولتكم إلى شياطين وأنتم لا تزالون أطفال، تعبت كثيرا لاستعادتكم إلى السلوك السوي، حقيقة كنت قاسيا معكم وحرمتكم من أشياء كثيرة، لكن هي التربية أحيانا تحتاج إلى الزجر والحديد والنار، كانت أمكم تنظر إليكم أبناء أعراب ووحوش، وتحتقر نفسها أنها أنجبت أربعة، تقول دائما كأني أرنب، ربما كما قالت، أنكم الخطأ الأكبر في حياتها، لأن المتحضرة لا تزيد أكثر من اثنين، رغم ذلك ومن أنتم الآن، يشار إليكم بالبنان، أليس كذلك؟.. وهذا كله من فضلي وحسن تربيتي وحرصي عليكم، فقط الأرملة الملعونة خذلتني ولا تزال تصنع خيبتي، ولست في حاجة لأحد منكم...
ابتسمت وهزت رأسها، لما كان هو يتكلم كانت هي تستعيد غطرسته وجبروته وظلمه وقساوته، وحده المرض أقعده وقيده وأطلق سراح الجميع، تذكرت تسلطه، فزاعة في الليل، وجلاد بالنهار، تذكرت لما كان يخرجهم من البيت في الظهيرة ليتمتع بالقيلولة، رغم الحر وأشعة الشمس المحرقة، يبيتهم جياعا لأتفه الأسباب، ويضربهم ولا يسمح لهم بالبكاء، وحرمهم من أدنى عواطف الأبوة، تذكرت أنه كان يطعمهم ما يريد، ويلبسهم ما يريد، وينومهم متى يريد، ويوقظهم متى يريد، وكأن البيت ملجأ لإعادة تربية الأشرار، السوط والعصا هي اللغة الوحيدة التي كان يخاطبهم بها، ويجن عندما يسمع أنينهم أوبكاؤهم، كانوا يتمنون له الموت، موت الجبابرة في القصص والخرافات، لأنهم يموتون بالوهن، تذكرت كيف جعلته أمها يبتلع الكثير من الفضائح، يكتمها ويكظمها رغما عنه ، كطلاق الأرملة ،وشبهات الفيلسوف مع صبيات المدرسة، وإشاعات عن الأم، و أشياء أخرى ، تذكرت كيف كانت تروضه أمها في حلبات أي نقاش، وتظهر آرائه مهلهلة،و تافهة، مفككة تتناثر فوق قدميها، فيستسلم إرضاء لغرورها، في حين ،من كان يجرأ ويذهب إليه لحل تمرين من واجباته،أو يستنصحه في أمر، أو يطلب منه مساعدة ، وبقدر ما كانت تطريه بقدر ما كان يتعصب في معاملته معهم... وأشياء أخرى لا تريد أن تتذكرها من شدة فظاعتها، لأنها تؤلمها كثيرا...
هكذا كانت أمي وأنا في بطنها تسقيني مرارة ماضيها وحاضرها، ممزوجة بالحقد والغضب ورغبة الإنتقام، تنتظر بفارغ الصبر الساعة التي ترميه في دار العجزة، ليذوق مرارة الهوان ولا تزوره إلا مرة واحدة في العام، ستشتري له شريط فيروز ، زروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة، شماته وتراه قد ذبلت فيه هذه الأشياء التي صنعت جبروته الذي لم يرحمهم، ويوم يموت يدفنه عمال النظافة، هي متأكدة أن جنازته لا يحضرها أحد، مثله مثل الفرنسي ينتهي وحده، ينتهي لا شيء، لا حدث، وإذا حضر أهله وأقاربه فمن باب المجاملة والنفاق، لأن أغلبهم في فرنسا لا يؤمنون بما وراء الموت.. هو يعرف أن لا أحد يحبه في هذا البيت..
لما استيقظت من غفوتها وجدته يتناول عشاه بشراهة، فقامت، قبلته على رأسه وانصرفت، وسقط كلامه في سلة المهملات... ليتها تستطيع أن تنقل إليه هذه الصور التي تملأ صدرها كما هي.. أما هو فبقي ينتظر زوجته في الصالون، لما عادت وجدته نائما على الأريكة، فدخلت إلى غرفتها ونامت قريرة العين، استيقظ وشم رائحة عطرها ممزوجة برائحة أخرى يعرفها جيدا، كأنها رائحة خمرته المفضلة، جوني والكير، لم يصدق، لا يزال مترددا، تحاصره دوامة بين الشك واليقين وتهاجمه الظنون من كل جهة، أراد أن يذهب إليها في غرفتها، وتراجع لسبب تنكر له، لا يريد أن يعترف به حتى لا ينظر إلى نفسه ضعيفا، واستطاع أن يتجاوز هذا الصراع وذهب، توقف أمام الباب ينصت لعله يسمع حركة أو أي شيء يبرر به زيارته، رفع يده ثم تراجع، كانت تلك الرائحة هنا أشد وأقوى، ورغم شدة الفضول ولهب الشك والغيرة، عاد إلى غرفته يجر الخيبة والحسرة، وابيضت ليلته وطال مداها، ما رأى أبعد من فجرها في حياته، ينتظر الصباح بأعصاب اشتدت كأوتار للعزف المقتضب، فصعدت نسبة السكري وسقط مغشى عليه، ونقلوه إلى المستشفى، وبعد استقرار حالته عاد إلى البيت.
في مساء ذلك اليوم جاءته إلى غرفته، أخرجهم جميعا واختلى بها، وبدون مقدمات قال لها:
- إنهم أعدوا الفريضة، وسيبيعون كل الممتلكات بما فيها هذا المسكن لأنه باسم أبي.
- وإسهاماتي؟
- سأحاول أن أسترجعها لك، لا أظن أن هناك أحد يعارض، فما رأيك لو نشتري مسكنا في القرية نقضي فيه ما تبقى من عمرنا؟
وكان السؤال الذي أفاض قدح الجواب وأثار البركان الذي يسكنها.
- جننت أو ماذا جرى لك؟.. أنا أسكن القرية؟.. هيا إلى المزرعة أفضل، مع الحمير والبغال والبقر والغنم، ونسكن في كوخ من أكواخكم القذرة، و نأكل الخبز المشوي على فضلات الحيواناتت، و نشرب من حيث يشرب الكلب، و ننام و الدجاج طواف بنا، تتشقق أقدامنا و أيدينا، و تزينها أدران الوسخ، و أطرافنا معفرة بالتراب كالخنازير !!!.. يا للمهزلة، يا للعار، و في آخر عمري !!..ألعن اليوم الذي عرفتك فيه، و اليوم الذي تزوجتك فيه ...اسمعني جيدا، ابتلع هذا القيأ و لا تعد إلى مثله أبدا، إذا شدك الحنين إلى هذه البشاعات، أذهب إليها وحدك، أما أنا فهنا، في المدينة خلقت و فيها أموت، فلا تحاول معي مرة أخرى، و إلا ستسمع مني ما لا يرضيك،.
خرجت كالزوبعة، و لم تدخل إلا مع الفجر، تجاهلها هو مكرها، لا يزال يجتر كلامها، وجد فيه شيئا من المنطق، و في سؤاله شيئا من الغباء، يقكر كيف يرمم ما أفسده من ود بسذاجته، و في الصباح ذهب إلى النزل الكبير، حجز مائدة فاخرة من الصنف الممتاز و عاد إلى البيت مسرورا، في المساء ذهب إليها ليطيب نفسها و يسترضيها، استسمحها و عزمها على العشاء فاعتذرت كونها نفسيا ليست مرتاحة، و واعدته أنها ستذهب معه مرة أخرى، أما الليلة فعندها لقاء رسمي في نفس النزل و لا زالت مترددة، و يحتمل أنها لن تذهب ، فعاد مكصور الجناح، و قبل أن تخرج مرت عليه في غرفته، استودعته و ذهبت...
قام لبس بدلته الجميلة، تعطر،فأصبح جنتلمن بامتياز، حمل عصا بنفس لون الحذاء ،وضع نظاراته و تبعها، كان قد انقضى من الليل ثلثه تقريبا، دخل إلى القاعة، كان الجو رومنسيا جدا، تتسلل الأنغام الهادئة الى الأذواق المحتشنة تحت الضوء الأحمر الخافت، يداعب إيقاعها الأعصاب التي هدهدتها الأقداح و تراقصها الهمسات الأنثوية الحالمة...تذكر أشياء جميلة مرت عليه من هنا، قاده المضيف بكل لياقة و لباقة إلى مائدته، جلس واستوى، سأل النادل عن اللقاء، فنفى أي لقاء في هذه الليلة، سأله إذا كان عنده موعد مع قرينة ، هز رأسه نافيا و الغرابة تأكل مداركه، هو الوحيد الذي كان يجلس وحده، لف ساعده بساعده على صدره و سافر إلى ذلك الزمن الجميل لما كان ملأ عينها و بصرها، لما كانت تتباهى به أمام النساء لبنيته و عنفوانه ، تحاول جذب انتباه الجميع إليها و هي تتأبط ذراعه بحركاتها و قهقهتها ..توقفت الموسيقى، و ضبط الجوق آلاته و بدأ معزوفة رقص الباله، هم بالوقوف، و ترجع، تمنى لو كانت هنا ، يحاول معها و لو غدوة و روحة على هذا الإيقاع المرح و الجميل، أغمض عينيه و ذهب يهز رأسه و يدق بأنامله على المائدة ، يضاهي النغم بدندنته ، و لما قامت رأته جالسا، نزلت عليها الفكرة الشيطانبة، إنها الضربة القاضية، هي تعرفه جيدا، مثله لا يقتله أجله ، بل وحدها الغيرة تصنع نهايته ، و تدمر دخيلته ، وماذا عساه أن يفعل ، إنه نصف ميت، أعرابي لا يصلح لشيء، ابتسمت ، مضمضت فمها بالشمبانيا ، و أخذت بيد فارسها إلى الجهة التي كان يجلس فيها زوجها، كانت تضع خدها على صدره، يد في يد،و الأخرى في ظهره ، يتحركان كأنهما جسد واحد، تنفصل عنه ثم تعود إليه، يدها في يده تأتي الى صدره تجاريه خطاها بخطاه، تبتعد قليلا ، ثم تلتسق به و تعيد، أبهرت الحضور برشاقتها و لطافة حركاتها ،ماهرة في الرقص ، تنظر إلى زوجها و هو يختنق حسرة و غيظا، تبتسم إليه و تلاطف فارسها بليونة السادية...توقفت الموسيقى ، صفق الحضور ،و عادت معه إلى مائدتها ، تقدم أحدهم ، انحتى ، قبل يدها، غمرها ببسمة عاشق ، شكرها على الأداء، وانصرف .. سقط زوجها على الأرض مغشيا عليه، أدارت وجهها تشمئز من سذاجته ، حملوه ، طلبوا سيارة اسعاف و نقلوه إلى المصحة.
...يتبع...


الساعة الآن 06:45 PM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتب ومنتديات السلطنة الادبية