 |
قسم آهات وأشجان القرطوبي اختلاجات قلب شاعر |
سأكتب كالعادة بعثرات وعبارات اختلجت في الأعماق مني حتى فاضت في الآفاق ، وأكتبها لي ولمن يدخلون في هالة العشاق وتسيل كالمطر منهم الآماق ، راجيا أن يغض البصر عن مساويها القلمية وأن تكون فكرتي فيها واضحا ًلنا معاشر الأمة الشبابية . فلم نزل نحن - معشر الشباب - ندور في حلقة مفرغة ،واهمين أنفسنا أننا أحببنا للحب نفسه ، ووصلنا لأقصى درجاته راشقين كلَّ من يتعرض لنصيحتنا وبيان واقع الأمر وحقيقته لنا بسهام أنه لم يعرفوا الحب ولم يدروا ماهيته وويل للخلي من الشجي . فباسم الحبِّ نصول ونجول كالأعاصير فبراكين العواطف فينا تموج بنا يمينا وشمالا ولا ندري تشخيصا مفسرا لهذه العواطف سوى أننا وقعنا في الحب ، والحقيقة لا ندري أهو حب أم مجرد إعجاب . فقد يعجب أحدنا بالآخر فيعتقد أنه حب وربما يحب أحدنا الآخر فيظن أنه إعجاب ولا تتضح الصورة جلية ً لنا إلا بعد موقف يظهر فيه الحبُّ حبا ، ويظهر الإعجاب فيه تعودا ؛ ففي حالة البغض لا الرضى يبان المُحِبِّ من المبغض كما يبدو بوقت الضيق من هو الصديق ومن هو الرفيق . نحن لا نملك التحكم بعواطفنا وأحاسيسنا وإنما نستطيع السيطرة عليها إذا ما ترسخت داخلنا مبادئ الدين والعادات والتقاليد المنبثقة من بيئة صحيحة ولسان حالنا يقول : - اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك ميلَ القلب والعاطفة . وكم رأينا في كتب التاريخ نماذج وحكايات سطرت الحب بأسمى معانيه كحكاية شاب وردت في المستطرف قد هوى فتاة فكانا لا يلتقيان إلا في موسم الحج بعرفة فيقعدان في مكانين بعيدين عن بعضهما يبكيان ويكاد لا ينظر أحدهُما للآخر إلا النظرة الأولى فقط ، ولا يتصافحان ولا يلمس أحدهما شيئا من بدن الآخر ويبقى هكذا الحال حتى يكف واكف النهار فيعودان ولم يتبادلان كؤوس العشاق الشائعة الآن ثم لا يلتقيان إلى الموسم القادم . نعم الحج موسم للطاعات لا للمقابلات ولكن حديثنا هنا يتعلق بتشخيص حالة عواطفنا فإذا ما قارنا ما يحدث اليوم بين من يسمون أنفسهم عشاقا وبين أولئك لرأينا كما قال من روى هذه القصة وكأنهم أشهدوا أبا هريرة رضي الله عنه على زواجهما . ولعل سائلا يسأل كيف يتسنى لنا أن نجهل الحب اليوم ونرى تضحيات جمة؟ فأجيب لا يبيد الحب ولا يبلى فلكل زمان دولة ورجال ونساء يعرفون قدره وإنما أغلب الأمر الآن تَعَوِّدٌ . فكلٌّ منهما قد تعود على صاحبه فلذلك لا يستغرب من قال له حبيبه – كما يظنه – إذا ما تخاصما والتقيا بعد فترة أن لقائي اليوم كأنه العيد أو بالعمانية عادي كأنه العيد لأن الأمر كالريح تتراخى شيئا حتى نظنها هدأت لتعود مرة أخرى أقوى بكثير أو لا تعودن أبدا،فالتعود على الشئ قد يعمل بالشخص عجائب لم تعهد به قبل ، والحاصل أن صاحبها إن ثبت فهو عاشق وإلا متعود فحسب وإلا فأيُّ حبٍّ هذا وأي صداقة تلك التي وإن استمرت مائة عام ٍ كاملة يأتي على أحدهما فترة يتخاصمان فيهما ويبدأ كلا منهما بتعداد كلِّ كبيرة وصغيرة أساء أحدهما للآخر فيها وإن كان الأمر تافه ، ومن عادَ بعد فترة انقطاع ٍ ووجد أن الحبَّ قل فأقول له قيل ما محبة ٍ إلا من بعد عداوة ٍ وبيدك أن تصدق المثل أو تكذبه. إن ما نراه اليوم في أنفسنا وأمامنا وحوالينا من ترجمة حرفية لعواطفنا يضع علامات استفهام عديدة لأسئلة كثيرة . ما هو الحب الحقيقي الذي يخطئ بعضنا البعض فيه ، والذي يدعي كلنا أنه يدريه ؟وما هو الحب الذي إن سكن داخلنا حرك مشاعرنا كما تحرك الملعقة السكر في الكوب ؟وما هو الحب الذي من ذاقه لم يعد يكره مخلوقا ألبته؟ فلا اجتماع لحبٍّ وكره في قلبٍّ واحد ؟ والسؤال الإجباري لهذه الأسئلة مجتمعة وأين هو؟!!!! لأننا رأينا القول والفعل على طرفي نقيض فمتى دخل أحدهما من باب فر الثاني من باب آخر أو من شباك كأنه لص يحب أن يعمل في الظلام حتى إذا بزغ النورُ ولَّى هاربا ومتراجعا وخائفا بل وقافزا وإن كان سيهوي في واد سحيق . وعلى صعيد التجمعات الشبابية نسمع وينقل لنا ما تتفتت له القلوب .فنسمع أن اليوم فلانا أضاف إلى رصيده فتاة جديدة أو كلم فلانة أخرىوأعجب بفتاة ثانية وثالثة بالرغم من أن انتماءه لواحدة .وقد يقال له :- وهل خرجت معها،وهل ...؟ فإن كان جوابه بالنفي فهناك استهتار واضح سيلقاه ومعظمنا ربما مر بهذا الوضع وربما اضطر أن يكذب ليظهر نفسه الفاتح لتلك المستعمرة أقصد أنه استطاع أن يجيب خشمها الأرض . وكم يتقطع قلب أحدنا عندما يسمع أن فلانا أسقط في حباله طالبة في الصف التاسع مثلا.أو أنَّ فلانا اغتصب فتاة صغيرة لا تتعدى الرابعة عشر من عمرها فيمسك متلبسا فيكشف عليها فيجدونها ثيبا كما قرأنا في صحفنا المحلية منذ أيام. وفي الوجه المقابل من جانب الفتيات معظمهن يتفاخرنْ بأن فلانا تعرض لهن أو ضاحكهن أو أعطاهن رقمه أو أنه لم يسقط رمشَ عينه عنهن قيدَ سِنه ، ومستعدٌ أن يبقى هكذا إن لم تتعطف عليه ألف سنة وإن كنَّ لم يقصدن السوء أبدا ولكما كما جاء في المثل العماني الشهير : - كثر الدق يفك اللحام – وكما قالوا أيضا : لا تخلي الشرارة جنب البترول أو كما قالوا . ولربما – أيضا - أحبت فلانة فلانا لكثرة ما تسمع عنه من زميلاتها وإن كان في معرض طبيعي ، وأستحضر ها هنا مقولة لأحد مشايخ التربية حيث يقول: لربما دل أحدنا على الشر أثناء أمره بالخير وهو لا يدري كأن يقول كونوا كما أنتم عليه من الصلاح ولا تكونوا كالبقعة الفلانية التي فيها كذا وكذا فعندها يلعب الشيطان أدوار البطولة في شهوانية هذا المريض تعبان النفسية. وإن جئنا نحصي مسببات هذا الإيهام ودوافع الحب اللين الجذور والإعجاب العابر لوجدناه لا يحصى ، فقد قرأنا ورأينا وسمعنا أسبابا كالاختلاط في الدراسة والعمل والأسواق . وقد عمر بن عبدالعزيز : لا يخلون رجل بامرأة وإن قال أعلمها كتاب الله . فقد تتلطف الفتاة مرققة عباراتها وتخضع أمامه بالقول فينقلب على عقبيه ويختل توازنه تماما فيحصل ما لا يحمد عقباه وإن كانت غير قاصدة لشئ فلا يفيدها ساعتها قولها : أخوي أنت فهمتني خطأ ، وقد حذر القرآن الكريم هذه الثلة بالآية الكريمة ((فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض )) أدرك أنني أطلت ولا يستدعي الوضع الإطالة لأن الأمر واضح،وربما البعض منا سيقول : لا الناس ما كلهم واحد. وكلا ما كل البنات كالطير سهل اصطياده وهذا الرأي صائب جدا ولكنني أقول كتبتها من باب الذكرى ، فالمرء مأمور أن يذكر بالمعروف وإن كان هو مبتلى بتركه وله أجر الأمر به ، وينهى عن المنكر وإن كان هو مبتلى باقترافه وله أجر النهي عنه وإن كان حال الكمال فيهما أن يؤمر بالمعروف ويأتيه وينهي عن المنكر وينتهي عنه لأن الله سبحانه وتعالى عاب على من خالف فعله قوله بقوله : ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم...). وتبقى هناك قناعات لدى الشخص نفسه تقيده أو تطلقه فالعاقل من أطاع ربّه ، واتبع منهاج نبيه ، وأرضى أمّه وأباه برضاء الله عنه وتوفيقه له فكما قال أحد أهل العلم : التوفيق عزيز ولا يناله إلا عزيز ولذلك لم يذكره العزيز في كتابه العزيز إلا مرة واحدة وما توفيقي إلا بالله . ودعوني أختم بقصة واقعية ربما تَمتُّ إلى الأمر بسبب وبطلها شاب أعرفه معرفة جيدة كان راجعا من إحدى الأماسي فاستوقفه شخص لم تتضح ملامحه إذ كان الوقت متأخرا فلما وقف إذا بامرأة فارعة الجمال كأنَّ وجهها فلقة قمر ، هي : وين رايح ؟ هو : لبلدي . هي : أنا في طريقك وصلني لو سمحت .. وقبل أن يرد ركبت ، فمشى فبدأت تشكو له من ظروف الحياة الشئ المرير جدا وهو ساكت فأعطاها مبلغا ليس بالبسيط مما دعاها تبكي، فأوجس في نفسه خيفة ، فقال لها : مالك أختي ثم قالت له : واصل طريقك فأنا كنت أريد أنزل هنا لحاجة وما هنا ساكنة ساكنه قدام فواصل فاستوقفته مكانا ونزلت ولم ترد عليه بحرف . فلما أخبر أصحابه بدأو يعلقون بتعليقات سخيفة ركبت معك ولم ... صحيح أنك .... ولربما يعتقد البعض أن معهم حق لأنها ربما بنت ليل ولم يعد في هذه الدنيا المثال لنصدق المثل القائل :من خدعنا في الله انخدعنا له ، ولم يعد الأذهان تحفظ ما يروى عن المسيح عليه :- من كان منكم بغير خطيئة فليرمها بحجر . غير أنني أركز على أنه تبقى القناعات وتسقط كل القناعات والحب نور يضئ حياة الشخص فإن رأى أحدنا - نحن معاشر العشاق - ظلمة في هذا القلب فليتفقد نفسه . تلك كلمات توقدت داخلي فسطرتها في دفتر ملاحظات هاتفي ونشرتها بينكم فلعها رؤية صحيحة وإن كانت من عين مريضة فأرجو المعذرة على الإطالة والتطاول . جاسم عيسى القرطوبي 1/6/2009 الساعة الثالثة وخمسون دقيقة مساءا .
|
|
|
|
|
|