 |
قسم فصيح متنوع ثـَالوثُ .. مَنْ لا يَمـُوتُونْ |
ثـَالوثُ .. مَنْ لا يَمـُوتُونْ !
( 1 ) رَأيتُ أبِيْ حَاسِرَاً حُزْنـَهُ يَبْتَنِيْ غَيْمَة ً للثّوَاءِ الغَمَامُ يُصَلِّيْ عَلَيه .. - كَأيّ مَسِيحٍ يُدَاهِمهُ المَوْتُ سَهْوَاً - وَيبْكِيْ الحَنَاجِرَ إذْ تَكْسِرُ الدّمْعَ قَمْحٌ هُوَ الدّمعُ عِنْدَ مَوَائِدِهِ ... وَالمَوَائِدُ حُبْلـَى بِدَمْعِ النّبِيّ الذِيْ لَمْ يَمُتْ مُنذُ قَرنَينِ إلا قَلِيلا ! """""""""""""""""""""""" رَأيْتُكَ كَالفَجْرِ حِينَ يَصُبّ دِمَاءَ مَخَاضٍ عَلَى صَفْحَةِ الأفْقِ حِينَ يُكَفِّنَ صَيْرُورَة اللّيل لمْ يَأتِ ظِلّكَ وَحْدَهْ .. وَلَمْ تَأتِ وَحْدَكَ .. كَانَتْ عُيُونُكَ بَيْنَ يَدَيكَ تُصَلِّيْ عَلَى الرّمْلِ وَقْتَ عُرُوجِكَ ! كُنْتَ كَبِيرَاً عَلَى المَاءِ إذْ يُسْبِغُ اللّونَ فِيْ مُقْلتِكْ وَلا زَالَ لَوْنُكَ ذَا جَاثِمَاً كُلّ مَوْتٍ أُحَاوِلُ أنْ يَعتَرِينيْ وَيَأبَىْ وَمَا المَوْتُ إلا سَرِيرٌ / مقَامٌ / طِلاء وَشَيْءٌ وَشَيءٌ مِنَ الحُبّ كَانَ أبيْ هَكَذَا يَتَأمَّـلُ فِيْ شُرْفَةِ اللّيلِ يَهْذِيْ / يُقَشِّرَ حُزْنـَا وَعَادَ لِيُكْمِلَ نَافِلَة َ اللّيلِ مَرَّت شِفَاهٌ تُسَبّحُ حَتَّى تَمَطَّتْ / تَمَطَّتْ / تَمَطَّتْ إلَى غَانِيَاتِ الرّصِيفِ اللّوَاتِيْ سَهِرنَ عَلَى مَا يُعَبـِّئُ كَأسٌ وَنَيف .. وَلَمْ أنتَبِهْ للمَرَايَا .. تُعَزِّيكَ .. كُنْتَ تَؤُمّ الفَضِيلَة َ .. كُلّ السّمَاوَاتِ خَلْفَكَ مُصْطَفَّة ٌ للصَّلاةِ / الرّفُوفُ تَدَلَّتْ .. جِوَارَكَ ، وَالبَاسِقَاتُ اشْرَأبّتْ سَألتُ أبِيْ خَائِفـَا ً .. لَمْ يَكُنْ حُلمَاً مَا رَأيتُ أبِيْ إنَّمَـا أنْت .. أنتَ أبِيْ اللا يَمُوتْ !
(2) شَهِدْتُُكَ طَاغُورَ مُنذُ وِلادَةِ خُضْرَةِ عُشْبِـكَ تَنْفُضُ عَنْكَ المَسَافَة َ / صَمْتَ المُوسِيقَا عُطَاسَكَ / وَالنّهر حِينَ تَغَسَّلَ .. كُنتَ تَنَامُ وَتُوْقِظُ كُلّ المَجَانِينِ حَوْلَكَ أذْكُرُ كَيْفَ انتَعَلتَ فُؤَادَكَ .. كَيفَ تَوَضَّأتَ بِالشّعرِ لا زِلتُ أذْكُرْ كَمْ قَطْرَةً فَرَّ مِنهَا غَمَامُكَ ! حَتَّى الضّبَاب الذِيْ اصْطَفَّ عِنْدَ جُفُونِكَ هَلْ تُذكُرُ القُبَّعَاتِ التِيْ كَانَتِ الأمّ تَغْسِلُ أشْلاءَهَا مِنْ بُكَائِكَ ؟! هَلْ تَذْكُرُ الأرْضَ يَوْمَ غَدَتْ مُومَسَـاً للرّحِيلِ وَمَاتَتْ وَمَاتَتْ وَمَاتَتْ .. تَبَدّلتِ الأرْضُ يَا صَاحِبِي بَيْنمَا أنْتَ لا زِلتَ تُغْلِقُ عَيْنَكَ ( لا تُحْرِقُوا عَتْمَتِيْ ) وَالمَجَانِين حَوْلَكَ يَلتَحِفُونَ السَّحَابَ يُصَلُّونَ .. ( طَاغُورُ عَبَّأ مِنْ حُزْنِهِ غَابَة ً ثُمَّ نَامَ ! ) وَلا يُدْرِكُونَ بِأنَّكَ غَادَرْتَ نَوْمَكَ / مَوْتَكَ قُلتَ .. تَعِبتُ مِنَ المَوْتِ وَالنَّوْمِ وَالأمْنِيَاتِ الحَزِينَة ! وَآنَ لِذَاكِرَةِ الرّيْحِ أنْ تَصطَفِينيْ إلَهاً عَلَى أمَّهـَاتِ المَدِينَة ! وَوَحْدَكَ طَاغُورُ كُنتَ تُزَاوِجُ بَيْنَ الرّيَاحِ وَرَمْلٍ مِنَ الشّعرِ ! تَرْصِفُ بِالشّعرِ أوْجَاعَنـَا .. كُنْتَ للفَقرِ رَبَّاً وَللشّعرِ رَبَّا ً / وَللمَوْتِ مَعْرَكَة ً وَانتِهَاءَا .. وَإنِّيْ أرَاكَ لعِيدِ الجَفَافِ عَلَى سَاحَةِ المَوْتِ مُضْطَجِعَا ً مَاءُ "دِلهِيْ" يُنَادِيكَ وَالأمّهَاتُ تُشِيرُ لِطَاغُورَ .. "ذَاكَ الذِيْ لا يَمُوتْ !" لِطَاغُورَ.. "ذَاكَ الذِيْ لا يَمُوت .."
(3) نَعَيْتُكَ يَا أيَّهـَا المُتَنَبِّئُ لَمَّـا نَجَوْت مِنَ الشّعرِ قَالَ لِيَ الغَابِرُونَ .. "لقَدْ جَرَّهُ الحَتْفُ للسّرْمَدِيَّة ْ" تَمُوتُ الخَلائِقُ / لَسْتَ تَمُوتُ وَتَفْنـَى الحَمَائِمُ .. تَنْفـِيْ فَنَاءَكْ ! كَذَا لَمْ تَكُنْ كَالبَقِيَّةِ .. كُنتَ إلَهَاً لِقَافِيَةِ الشّعرِ تَصْدُحَ .. كَوكَبَة ً لا تَنَامُ .. ( رَمَادٌ هِيَ الأبْجَدِيَّة ُ كُلّ بَنِيْ آدَمٍ مِنْ رَمَادْ ) غَزَلتُ القَوَافِيْ وَتَمْتمتُ .. ( إلاَّكَ .. شِعْركْ ! ) . تُعِيدُكَ كُلّ خُيُولِ الخَلِيقَةِ نَحْوَ مَلاحِمِكِ المُصْطَفَاة ( أنَا الخَيلُ وَالليّلُ وَالسّيفُ ) أنْتَ النّبِيّ الذِيْ لَمْ يَكُنْ .. لَقَدْ كَانَ مِسْمَارُ شِعرِكَ وَخْزَاً .. وَلَيلُكَ وَخْزَا ً نَبِيذُكَ .. تَارِيخُكَ الأوّلِيّ .. الحَقِيقَة .. مَرَّتْكَ وَخْزَا ً وَلَّمـَا تَمُتْ .. لا يُزَالُ قَلِيلٌ مِنَ الوَخْزِ ينْعـَاكَ .. صَلاكَ .. صَلاكَ تِلكَ القَصِيدَةُ تَبْكـِيْ عَلَى مِحْجَرِكْ وَتَبْكيْ خُيُولَكَ وَاللّيلَ وَالشّعر مُذ مَاتَتِ اليَوْمَ فِيْ أضْلعِكْ وَتَنْصِتُ للنّخْلِ إذْ يَتَقطـَّرُ حُزْنـَا .. هُرَاءٌ فَنَاؤُكَ لَمْ تَبتَلِعْـكَ القَبِيلَة ُ لَمـَّا ارْتَجَلتَ القَصِيدَة َ لَمْ تَقتَسِمْكَ الذّئَابُ وَلا أطْبَقـَتْ فَكَّهَا فِيْ قَمِيْصِكَ كُنتَ تُرَاهِنُ مَوْتـَاً .. كَسِبْتَ الرّهَـانَ ( وَمَاتَ وَمَاتَ وَمَات ! ) . أرَاكَ الغَدَاةَ ... عَلَى عَرْشِ كَافُورَ .. تَهْجُو بَلاطَهْ .. وَأنْتَ كَمَا أنْتَ تَرتَجِلُ الشّعرَ تَسْتَعْجِلُ المَوْتَ .. لا تَرْعَوِيْ عَنْ هِجَاءِ القَبِيلَة ْ يَمِينـُكَ نَارٌ .. شِمَالُكَ نَار غُبَارُ الخُيُولِ يُغَازِلُ سَيْفـَكَ .. تَمْتَنِعُ الرّوحُ عَنْكَ .. وَتَمْضِيْ إلَى شَوْكَةٍ فِيْ سَمَائِكَ/ تَعْلَقُ ! أطْبَقَتِ الأرْضُ ... وَاسْتَوحَشَتْ مَاءَهـَا .. وَطَلَّقَتِ الرّوحُ أسْمَاءَهـَا ! وَلا زَالَ يَلْعَنُهـَا المَوْتُ .. يَلْعَنُ صَمْتَكَ وَالخَيْلَ وَاللّيلَ وَالشِعْر .. ينْعـَاكَ دَهْرَاً وَلا زَال للنّخْلِ شَيْءٌ مِنَ الدّمْعِ يَبكْيْ .. عَلَى المُتَنَبَئِ لمـَّا تَنَبَأَكَ الشّعرُ .. عُدْتَ فَأوْحَى .. "انظُرُوا للذِيْ لا يَمُوتُ .. انظُرُوا للذِيْ لا يَمُوت !"
|
|
|
| | |